ابن عطية الأندلسي
266
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم وغيرهم : إتمامهما أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيها من دماء . وفروض الحج : النية ، والإحرام ، والطواف المتصل بالسعي ، والسعي بين الصفا والمروة عندنا خلافا لأبي حنيفة ، والوقوف بعرفة ، والجمرة على قول ابن الماجشون ، وأما أعمال العمرة فنية وإحرام ، وطواف ، وسعي . واختلف في فرض العمرة فقال مالك رحمه اللّه : هي سنة واجبة لا ينبغي أن تترك كالوتر ، وهي عندنا مرة واحدة في العام ، وهذا قول جمهور أصحابه ، وحكى ابن المنذر في الإشراف عن أصحاب الرأي أنها عندهم غير واجبة ، وحكى بعض القرويين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه يوجبها كالحج ، وبأنها سنة . قال ابن مسعود وجمهور من العلماء ، وأسند الطبري النص على ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق والشعبي وجماعة تابعين : أنها واجبة كالفرض ، وقاله ابن الجهم من المالكيين . وقال مسروق : « الحج والعمرة فرض ، نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة » ، وقرأ الشعبي وأبو حيوة « والعمرة للّه » برفع العمرة على القطع والابتداء ، وقرأ ابن أبي إسحاق « الحج » بكسر الحاء ، وفي مصحف ابن مسعود « وأتموا الحج والعمرة إلى البيت للّه » ، وروي عنه : « وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت » ، وروي غير هذا مما هو كالتفسير . وقوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما : الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو . وقال ابن عباس وغيره بعكس ذلك ، والمشهور من اللغة أحصر بالمرض وحصر بالعدو ، وفي المجمل لابن فارس حصر بالمرض وأحصر بالعدو . وقال الفراء : « هما بمعنى واحد في المرض والعدو » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : والصحيح أن حصر إنما هي فيما أحاط وجاور فقد يحصر العدو والماء ونحوه ولا يحصر المرض ، وأحصر معناه جعل الشيء ذا حصر كأقبر وأحمى وغير ذلك ، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون محصرا لا حاصرا ، ألا ترى أن العدو كان محصرا في عام الحديبية ، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل ، وأجمع جمهور الناس على أن المحصر بالعدو يحل حيث أحصر ، وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه . وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه فإذا بلغ محله صار حلالا ولا قضاء عليه عند الجميع إلا أن يكون صرورة فعليه حجة الإسلام . وقال ابن الماجشون : « ليست عليه حجة الإسلام وقد قضاها حين أحصر » . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لا وجه له .