ابن عطية الأندلسي
267
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقال أشهب : « يهدي المحصر بعدو هديا من أجل الحصر » . وقال ابن القاسم : « لا يهدي شيئا إلا إن كان معه هدي فأراد نحره » ، ذكره ابن أبي زيد . وقال عطاء وغيره : المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو . وقال مالك رحمه اللّه وجمهور من العلماء : المحصر بالمرض لا يحله إلا البيت ، ويقيم حتى يفيق ، وإن أقام سنين ، فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع التلبية في أوائل الحرم وحل بعمرة ، ثم تكون عليه حجة قضاء وفيها يكون الهدي ، وقيل : إن الهدي يجب في وقت الحصر أولا ، ولم ير ابن عباس من أحصره المرض داخلا في هذه الآية ، وقال : إن المريض إن لم يكن معه هدي حل حيث حبس ، وإن كان معه هدي لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم لا قضاء عليه ، قال : وإنما قال اللّه : فَإِذا أَمِنْتُمْ والأمن إنما هو من العدو فليس المريض في الآية . و « ما » في موضع رفع ، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر ، ويحتمل أن تكون في موضع نصب أي فانحروا أو فاهدوا ، و فَمَا اسْتَيْسَرَ عند جمهور أهل العلم : شاة . وقال ابن عمر وعروة بن الزبير « ما استيسر » جمل دون جمل وبقرة دون بقرة . وقال الحسن : أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأخسّه شاة ، و الْهَدْيِ جمع هدية كجدية السرج وهي البراد جمعها جدى ، ويحتمل أن يكون الْهَدْيِ مصدرا سمي به كالرهن ونحوه فيقع للإفراد وللجمع . وقال أبو عمرو بن العلاء : « لا أعرف لهذه اللفظة نظيرا » . وقوله تعالى : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ الآية ، الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى ، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة ، ومحل الهدي حيث يحل نحره ، وذلك لمن لم يحصر بمنى ولمن أحصر بعدو حيث أحصر إذا لم يمكن إرساله ، وأما المريض فإن كان له هدي فيرسله إلى محله . والترتيب أن يرمي الحاج الجمرة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة ، فإن نحر رجل قبل الرمي أو حلق قبل النحر فلا حرج حسب الحديث ولا دم . وقال قوم : لا حرج في الحج ولكن يهرق دما . وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا : « إذا حلق قبل أن ينحر فليهد ، وإن حلق رجل قبل أن يرمي فعليه دم قولا واحدا في المذهب » . قال ابن المواز عن مالك : ويمر الموسى على رأسه بعد الرمي ، ولا دم في ذلك عند أبي حنيفة وجماعة معه . وقرأ الزهري والأعرج وأبو حيوة « الهديّ » بكسر الدال وشد الياء في الموضعين واحدته هدية ، ورويت هذه القراءة عن عاصم .