ابن عطية الأندلسي
252
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
على ابتداء والخبر بعده والتقدير فعدة أمثل له ، ويصح فعليه عدة ، واختلف في وجوب تتابعها على قولين ، و أُخَرَ لا ينصرف عند سيبويه لأنه معدول عن الألف واللام لأن هذا البناء إنما يأتي بالألف واللام كما تقول الفضل والكبر فاجتمع فيه العدل والصفة ، وجاء في الآية أُخَرَ ولم يجئ أخرى لئلا تشكل بأنها صفة للعدة ، والباب أن جمع ما لا يعقل يجري في مثل هذا مجرى الواحدة المؤنثة ومنه قوله تعالى يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [ سبأ : 10 ] ، إلى غير ذلك . وقرأ جمهور الناس « يطيقونه » بكسر الطاء وسكون الياء والأصل « يطوقونه » نقلت حركة الواو إلى الطاء وقلبت ياء لانكسار ما قبلها ، وقرأ حميد « يطوقونه » وذلك على الأصل ، والقياس الإعلال . وقرأ ابن عباس « يطوقونه » بمعنى يكلفونه . وقرأت عائشة وطاوس وعمرو بن دينار « يطوقونه » بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة . وقرأت فرقة « يطيّقونه » بضم الياء وفتح الطاء وشد الياء المفتوحة . وقرأ ابن عباس « يطيّقونه » بفتح الياء وشد الطاء وشد الياء المفتوحة بمعنى يتكلفونه ، وحكاها النقاش عن عكرمة ، وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف . وقرأ نافع وابن عامر من طريق ابن ذكوان « فدية طعام مساكين » بإضافة الفدية . وقرأ هاشم عن ابن عامر « فدية طعام مساكين » بتنوين الفدية . وقرأ الباقون « فدية » بالتنوين « طعام مسكين » بالإفراد ، وهي قراءة حسنة لأنها بينت الحكم في اليوم ، وجمع المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من غير الآية . قال أبو علي : « فإن قلت كيف أفردوا المساكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون ؟ ، فالجواب أن الإفراد حسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكينا ، ونظير هذا قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [ النور : 4 ] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد ثمانون . واختلف المتأولون في المراد بالآية فقال معاذ بن جبل وعلقمة والنخعي والحسن البصري وابن عمر والشعبي وسلمة بن الأكوع وابن شهاب : كان فرض الصيام هكذا على الناس من أراد صام ومن أراد أطعم مسكينا وأفطر ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] . وقالت فرقة : و عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أي على الشيوخ والعجّز ، الذين يطيقون ، لكن بتكلف شديد فأباح اللّه لهم الفدية والفطر ، وهي محكمة عند قائلي هذا القول . وعلى هذا التأويل تجيء قراءة يطوقونه و « يطوقونه » . وقال ابن عباس : « نزلت هذه الرخصة للشيوخ والعجّز خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ثم نسخت بقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] ، فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم » .