ابن عطية الأندلسي

251

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ، التقدير : فأفطر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وهذا يسمونه فحوى الخطاب . واختلف العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر : فقال قوم : متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المريض صح الفطر قياسا على المسافر أنه يفطر لعلة السفر وإن لم تدعه إلى الفطر ضرورة ، وقاله ابن سيرين . وقال جمهور من العلماء : إذا كان به مرض يؤذيه ويؤلمه أو يخاف تماديه أو يخاف من الصوم تزيده صح له الفطر ، وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك رحمه اللّه ، وبه يناظرون ، وأما لفظ مالك فهو : المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به . وقال الحسن : « إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر » . وقالت فرقة : لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر ، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر ، وهذا قول الشافعي رحمه اللّه . واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر ، فقال قوم والشافعي ومالك في بعض ما روي عنه : الصوم أفضل لمن قوي ، وجل مذهب مالك التخيير . وقال ابن عباس وابن عمر وغيرهما : الفطر أفضل . وقال مجاهد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما : أيسرهما أفضلهما ، وكره ابن حنبل وغيره الصوم في السفر . وقال ابن عمر : من صام في السفر قضى في الحضر ، وهو مذهب عمر رضي اللّه عنه ، ومذهب مالك في استحبابه الصوم لمن قدر عليه . وتقصير الصلاة حسن ، لأن الذمة تبرأ في رخصة الصلاة وهي مشغولة في أمر الصيام ، والصواب المبادرة بالأعمال . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : « الفطر في السفر عزمة » ، وذهب أنس بن مالك إلى الصوم ، وقال : إنما نزلت الرخصة ونحن جياع نروح إلى جوع ، ونغدو إلى جوع ، والسفر سفر الطاعة كالحج والجهاد بإجماع ، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري . وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز والقول بالجواز أرجح وأما سفر المعاصي فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح ، ومسافة سفر الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة ، واختلف في قدر ذلك ، فقال مالك : يوم وليلة ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلا ، وروي عنه : يومان ، وروي عنه في العتبية : خمسة وأربعون ميلا ، وفي المبسوط : أربعون ميلا ، وفي المذهب : ستة وثلاثون ميلا ، وفيه : ثلاثون . وقال ابن عمر وابن عباس والثوري : الفطر في سفر ثلاثة أيام ، وفي غير المذهب : يقصر في ثلاثة أميال فصاعدا . وقوله تعالى : فَعِدَّةٌ مرفوع على خبر الابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب عدة ، ويصح أن يرتفع