ابن عطية الأندلسي

228

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وَالْأَنْفُسِ : بالموت والقتل ، وَالثَّمَراتِ : بالعاهات ونزع البركة ، فالمراد بشيء من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول إيجازا ولذلك وحد ، وقرأ الضحاك بأشياء على الجمع ، والمعنى قريب بعضه من بعض ، وقال بعض العلماء : إنما المراد في هذه الآية مؤن الجهاد وكلفه ، فالخوف من العدو والجوع به وبالأسفار إليه ونقص الأموال بالنفقات فيه والأنفس بالقتل والثمرات بإصابة العدو لها أو بالغفلة عنها بسبب الجهاد . ثم وصف تعالى الصابرين الذين بشرهم بقوله الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ الآية ، وجعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة ، وذلك توحيد اللّه والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له ، وقال سعيد بن جبير : لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا ، ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفا على يوسف . وروي أن مصباح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، فقيل : أمصيبة هي يا رسول اللّه ؟ ، فقال : « نعم كل ما آذى المؤمن فهي مصيبة » . وقوله تعالى : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ الآية ، نعم من اللّه على الصابرين المسترجعين ، وصلوات اللّه على عبده : عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة ، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا ، وهي من أعظم أجزاء الصلاة منه تعالى ، وشهد لهم بالاهتداء . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حين قرأ هذه الآية : « نعم العدلان ونعم العلاوة » أراد بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الاهتداء . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 158 إلى 160 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) الصَّفا وَالْمَرْوَةَ : جبيلان بمكة ، و الصَّفا جمع صفاة ، وقيل : هو اسم مفرد جمعه صفى وأصفاء ، وهي الصخرة العظيمة ، قال الراجز : [ الرجز ] مواقع الطّير على الصّفى وقيل : من شروط الصفا البياض والصلابة ، و الْمَرْوَةَ واحدة المرو ، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين ، ومنه قول الذي أصاب شاته الموت من الصحابة « فذكيتها بمروة » ، ومنه قيل الأمين : « أخرجني إلى أخي فإن قتلني فمروة كسرت مروة ، وصمصامة قطعت صمصامة » ، وقد قيل في المرو : إنها الصلاب . قال الشاعر : [ الوافر ]