ابن عطية الأندلسي
229
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وتولّى الأرض خفّا ذابلا * فإذا ما صادف المرو رضخ والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى وترق حاشيته ، وفي هذا يقال المرو أكثر ، وقد يقال في الصليب ، وتأمل قول أبي ذؤيب : [ الكامل ] حتى كأني للحوادث مروة * بصفا المشقر كل يوم تقرع وجبيل الصَّفا بمكة صليب ، وجبيل الْمَرْوَةَ إلى اللين ماهق ، فبذلك سميا ، قال قوم : ذكر الصَّفا لأن آدم وقف عليه ، ووقفت حواء على المروة فانثت لذلك . وقال الشعبي : « كان على الصفا صنم يدعى إسافا ، وعلى المروة صنم يدعى نائلة » ، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر ، و مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ * معناه من معالمه ومواضع عبادته ، وهي جمع شعيرة أو شعارة ، وقال مجاهد : ذلك راجع إلى القول ، أي مما أشعركم اللّه بفضله ، مأخوذ من تشعرت إذا تحسست ، وشعرت مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الجسد من الثياب ، والشعار مأخوذ من الشعر ، ومن هذه اللفظة هو الشاعر ، و حَجَّ معناه قصد وتكرر ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ] وأشهد من عوف حلولا كثيرة * يحجّون سبّ الزّبرقان المزعفرا ومنه قول الآخر : [ البسيط ] يحج مأمومة في قعرها لجف و اعْتَمَرَ زار وتكرر مأخوذ من عمرت الموضع ، وال جُناحَ الإثم والميل عن الحق والطاعة ، ومن اللفظة الجناح لأنه في شق ، ومنه قيل للخبا جناح لتمايله وكونه كذي أجنحة ، ومنه : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [ الأنفال : 61 ] ، و يَطَّوَّفَ أصله يتطوف سكنت التاء وأدغمت في الطاء . وقرأ أبو السمال « أن يطاف » وأصله يطتوف تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فجاء يطتاف أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني في الأول ، كما جاء في مدكر ، ومن لم يجز ذلك قال قلبت التاء طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء ، وفي هذا نظر لأن الأصلي أدغم في الزائد وذلك ضعيف . وروي عن ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب أنهم قرءوا « أن لا يتطوف » ، وكذلك في مصحف عبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب « أن لا يطوف » ، وقيل : « أن لا يطوف » بضم الطاء وسكون الواو . وقوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما . وقوله فَلا جُناحَ ليس المقصد منه إباحة الطواف لمن شاء ، لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم ، وإنما المقصد منه رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج ، وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير صواب ، واختلف في كيفية ذلك فروي أن الجن كانت تعرف وتطوف بينهما في الجاهلية