ابن عطية الأندلسي

177

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ويروى أن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي ثم تقوم سوقهم آخر النهار ، وروي سبعين نبيا ثم تقوم سوق بقلهم آخر النهار ، وفي تَهْوى ضمير من صلة ما لطول اللفظ ، والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق ، وهذه الآية من ذلك ، لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات ، وقد يستعمل في الحق ، ومنه قول عمر رضي اللّه عنه في قصة أسرى بدر : « فهوى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت » ، و اسْتَكْبَرْتُمْ من الكبر ، وَفَرِيقاً مفعول مقدم . وقرأ جمهور القراء « غلف » بإسكان اللام على أنه جمع أغلف مثل « حمر » و « صفر » ، والمعنى قلوبنا عليها غلف وغشاوات فهي لا تفقه ، قاله ابن عباس ، وقال قتادة : « المعنى عليها طابع » ، وقالت طائفة : غلف بسكون اللام جمع غلاف ، أصله غلّف بتثقيل اللام فخفف . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا قلما يستعمل إلا في الشعر . وقرأ الأعمش والأعرج وابن محيصن « غلّف » بتثقيل اللام جمع غلاف ، ورويت عن أبي عمرو ، فالمعنى هي أوعية للعلم والمعارف بزعمهم ، فهي لا تحتاج إلى علم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ ، فرد اللّه تعالى عليهم بقوله : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ، و بَلْ في هذه الآية نقض للأول ، وإضراب عنه ، ثم بين تعالى أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترامهم ، وهذا هو الجزاء على الذنب فالذنب أعظم منه ، واللعن الإبعاد والطرد ، وقليلا نعت لمصدر محذوف تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون ، والضمير في يُؤْمِنُونَ لحاضري محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويتجه قلة هذا الإيمان : إما لأن من آمن بمحمد منهم قليل فيقل لقلة الرجال ، قال هذا المعنى قتادة ، وإما لأن وقت إيمانهم عندما كانوا يستفتحون به قبل مبعثه قليل ، إذ قد كفروا بعد ذلك ، وإما لأنهم لم يبق لهم بعد كفرهم غير التوحيد على غير وجهه ، إذ هم مجسمون فقد قللوه بجحدهم الرسل وتكذيبهم التوراة ، فإنما يقل من حيث لا ينفعهم كذلك ، وعلى هذا التأويل يجيء التقدير فإيمانا قليلا ، وعلى الذي قبله فوقتا قليلا ، وعلى الذي قبله فعددا من الرجال قليلا ، و ما في قوله : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ زائدة مؤكدة ، و « قليلا » نصب ب يُؤْمِنُونَ . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 89 إلى 91 ] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 90 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 ) الكتاب القرآن ، و مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ يعني التوراة ، وروي أن في مصحف أبي بن كعب « مصدقا » بالنصب .