ابن عطية الأندلسي
178
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
و يَسْتَفْتِحُونَ معناه أن بني إسرائيل كانوا قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم قد علموا خروجه بما عندهم من صفته وذكر وقته ، وظنوا أنه منهم ، فكانوا إذا حاربوا الأوس والخزرج فغلبتهم العرب قالوا لهم : لو قد خرج النبي الذي قد أظل وقته لقاتلناكم معه واستنصرنا عليكم به و يَسْتَفْتِحُونَ معناه يستنصرون ، وفي الحديث : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين » ، وروي أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز في ذلك الوقت كانوا يستفتحون على سائر العرب ، وبسبب خروج النبي المنتظر كانت نقلتهم إلى الحجاز وسكناهم به ، فإنهم كانوا علموا صقع المبعث ، وما عرفوا أنه محمد عليه السلام وشرعه ، ويظهر من هذه الآيات العناد منهم ، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة ، « ولعنة اللّه » : معناه إبعاده لهم وخزيهم لذلك . واختلفت النحاة في جواب لَمَّا و لَمَّا الثانية في هذه الآية . فقال أبو العباس المبرد : جوابهما في قوله : كَفَرُوا ، وأعيدت لما الثانية لطول الكلام ، ويفيد ذلك تقريرا للذنب ، وتأكيدا له ، وقال الزجاج : لَمَّا الأولى لا جواب لها للاستغناء عن ذلك بدلالة الظاهر من الكلام عليه ؟ قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : فكأنه محذوف ، وقال الفراء : جواب لَمَّا الأولى في الفاء وما بعدها ، وجواب لما الثانية كَفَرُوا . « وبيس » أصله « بئس » سهلت الهمزة ونقلت إلى الباء حركتها ، ويقال في « بئس » « بيس » اتباعا للكسرة ، وهي مستوفية للذم كما نعم مستوفية للمدح ، واختلف النحويون في بِئْسَمَا في هذا الموضع ، فمذهب سيبويه أن « ما » فاعلة ببئس ، ودخلت عليها بيس كما تدخل على أسماء الأجناس والنكرات لما أشبهتها « ما » في الإبهام ، فالتقدير على هذا القول : بيس الذي اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا ، كقولك : بيس الرجل زيد ، و « ما » في هذا القول موصولة ، وقال الأخفش : « ما » في موضع نصب على التمييز كقولك « بيس رجلا زيد » ، فالتقدير « بيس شيئا أن يكفروا » ، و اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ في هذا القول صفة « ما » ، وقال الفراء « بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا » ، وفي هذا القول اعتراض لأنه فعل يبقى بلا فاعل ، و « ما » إنما تكف أبدا حروفا ، وقال الكسائي : « ما » ، و اشْتَرَوْا بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه ، فالتقدير بيس اشتراؤهم أنفسهم أن يكفروا ، وهذا أيضا معترض لأن « بيس » لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير ، وقال الكسائي أيضا : إن « ما » في موضع نصب على التفسير وثم « ما » أخرى مضمرة ، فالتقدير بيس شيئا ما اشتروا به أنفسهم ، و أَنْ يَكْفُرُوا في هذا القول بدل من « ما » المضمرة ، ويصح في بعض الأقوال المتقدمة أن يكون أَنْ يَكْفُرُوا في موضع خفض بدلا من الضمير في بِهِ ، وأما في القولين الأولين ف أَنْ يَكْفُرُوا ابتداء وخبره فيما قبله ، و اشْتَرَوْا بمعنى باعوا ، يقال : شرى واشترى بمعنى باع ، وبمعنى ابتاع ، و بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني به القرآن ، ويحتمل أن يراد به التوراة لأنهم إذ كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام فقد كفروا بالتوراة ، ويحتمل أن يراد به الجميع من توراة وإنجيل وقرآن ، لأن الكفر بالبعض يلزم الكفر بالكل ، و بَغْياً مفعول من أجله ، وقيل نصب على المصدر ، و أَنْ يُنَزِّلَ نصب على المفعول من أجله أو في موضع خفض بتقدير بأن ينزل .