ابن عطية الأندلسي

176

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ الآية ، قرأ نافع وابن كثير « يعملون » بياء على ذكر الغائب فالخطاب بالآية لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والآية واعظة لهم بالمعنى إذ اللّه تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص ، وقرأ الباقون بتاء على الخطاب المحتمل أن يكون في سرد الآية وهو الأظهر ، ويحتمل أن يكون لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : إن بني إسرائيل قد مضوا وأنتم الذين تعنون بهذا يا أمة محمد ، يريد : وبما يجري مجراه . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 86 إلى 88 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 ) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) جعل اللّه ترك الآخرة وأخذ الدنيا مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا . وهذه النزعة صرفها مالك رحمه اللّه في فقه البيوع ، إذ لا يجوز الشراء على أن يختار المشتري في كل ما تختلف صفة آحاده ، ولا يجوز فيه التفاضل كالحجل المذبوحة وغيرها ، ولا يخفف عنهم العذاب في الآخرة ، ولا ينصرون لا في الدنيا ولا في الآخرة ، و الْكِتابَ التوراة ، ونصبه على المفعول الثاني ل آتَيْنا ، وَقَفَّيْنا مأخوذ من القفا ، تقول قفيت فلانا بفلان إذا جئت به من قبل قفاه ، ومنه قفا يقفو إذا اتبع . وهذه الآية مثل قوله تعالى : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [ المؤمنون : 144 ] ، وكل رسول جاء بعد موسى عليه السلام فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام ، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر « بالرسل » ساكنة السين ، ووافقهما أبو عمرو إذا انضاف ذلك إلى ضمير نحو رسلنا ورسلهم ، و الْبَيِّناتِ الحجج التي أعطاها اللّه عيسى ، وقيل هي آياته من إحياء وإبراء وخلق طير ، وقيل هي الإنجيل ، والآية تعم جميع ذلك ، و أَيَّدْناهُ معناه قويناه ، والأيد القوة ، وقرأ ابن محيصن والأعرج وحميد « آيدناه » . وقرأ ابن كثير ومجاهد « روح القدس » بسكون الدال . وقرأ الجمهور بضم القاف والدال ، وفيه لغة فتحهما ، وقرأ أبو حيوة « بروح القدس » بواو ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : « روح القدس هو الاسم الذي به كان يحيي الموتى » ، وقال ابن زيد : « هو الإنجيل كما سمى اللّه تعالى القرآن روحا » ، وقال السدي والضحاك والربيع وقتادة : « روح القدس جبريل صلى اللّه عليه وسلم » ، وهذا أصح الأقوال . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لحسان بن ثابت : « اهج قريشا وروح القدس معك » ، ومرة قال له « وجبريل معك » ، وقال الربيع ومجاهد : الْقُدُسِ اسم من أسماء اللّه تعالى كالقدوس ، والإضافة على هذا إضافة الملك إلى المالك ، وتوجهت لما كان جبريل عليه السلام من عباد اللّه تعالى ، وقيل الْقُدُسِ الطهارة ، وقيل الْقُدُسِ البركة . وكلما ظرف ، والعامل فيه اسْتَكْبَرْتُمْ ، وظاهر الكلام الاستفهام ، ومعناه التوبيخ والتقرير ، ويتضمن أيضا الخبر عنهم ، والمراد بهذه الآية بنو إسرائيل .