ابن عطية الأندلسي
138
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهذا تعسف ، والظن في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه ، وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة ، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس ، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحسن بعد ، كهذه الآية ، وكقوله تعالى : فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [ الكهف : 53 ] وكقول دريد بن الصمة : [ الطويل ] فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم بالفارسي المسرد وقوله تعالى : أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ * أن وجملتها تسد مسد مفعولي الظن ، والملاقاة هي للعقاب أو الثواب ، ففي الكلام حذف مضاف ، ويصح أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة ، وورد بها متواتر الحديث . وحكى المهدوي : أن الملاقاة هنا مفاعلة من واحد ، مثل عافاك اللّه . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا قول ضعيف ، لأن لقي يتضمن معنى لاقى ، وليست كذلك الأفعال كلها ، بل فعل خلاف فاعل في المعنى . و مُلاقُوا أصله ملاقون ، لأنه بمعنى الاستقبال فحذفت النون تخفيفا ، فلما حذفت تمكنت الإضافة لمناسبتها للأسماء ، وهي إضافة غير محضة ، لأنها لا تعرف . وقال الكوفيون : ما في اسم الفاعل الذي هو بمعنى المجيء من معنى الفعل يقتضي إثبات النون وإعماله ، وكونه وما بعده اسمين يقتضي حذف النون والإضافة . و راجِعُونَ قيل : معناه بالموت وقيل بالحشر والخروج إلى الحساب والعرض ، وتقوي هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى : ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة : 28 ، الحج : 66 ، الروم : 40 ] والضمير في إِلَيْهِ عائد على الرب تعالى ، وقيل على اللقاء الذي يتضمنه مُلاقُوا . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 47 إلى 49 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) قد تكرر هذا النداء والتذكير بالنعمة ، وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن يكون للمؤمنين ، ويصح أن يكون للكافرين منهم ، وهذا المتكرر إنما هو للكافرين ، بدلالة ما بعده ، وأيضا فإن فيه تقوية التوقيف وتأكيد الحض على ذكر أيادي اللّه وحسن خطابهم بقوله : فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيل لهم ، وفي الكلام اتساع .