ابن عطية الأندلسي

139

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال قتادة وابن زيد وابن جريج وغيرهم : المعنى على عالم زمانهم الذي كانت فيه النبوءة المتكررة والملك ، لأن اللّه تعالى يقول لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم : « كنتم خير أمة أخرجت للناس » . وقوله عزّ وجل : وَاتَّقُوا يَوْماً * نصب يوما « باتقوا » على السعة ، والتقدير عذاب يوم ، أو هول يوم ، ثم حذف ذلك وأقام اليوم مقامه ، ويصح أن يكون نصبه على الظرف لا للتقوى ، لأن يوم القيامة ليس بيوم عمل ، ولكن معناه : جيئوا متقين يوما . و لا تَجْزِي * معناه : لا تغني . وقال السدي : معناه لا تقضي ، ويقويه قوله شَيْئاً وقيل المعنى : لا تكافئ ، ويقال : جزى وأجزأ بمعنى واحد ، وقد فرق بينهما قوم ، فقالوا : جزى بمعنى : قضى وكافأ ، وأجزأ بمعنى أغنى وكفى . وقرأ أبو السمال « تجزئ » بضم التاء والهمز ، وفي الكلام حذف . وقال البصريون : التقدير لا تجزي فيه ، ثم حذف فيه . وقال غيرهم : حذف ضمير متصل ب تَجْزِي تقديره لا تجزيه ، على أنه يقبح حذف هذا الضمير في الخبر ، وإنما يحسن في الصلة . وقال بعض البصريين : التقدير لا تجزي فيه ، فحذف حرف الجر واتصل الضمير ، ثم حذف الضمير بتدريج . وقوله تعالى : ولا تقبل منها شفاعة قرأ ابن كثير وأبو عمرو : بالتاء ، وقرأ الباقون : بالياء من تحت على المعنى إذ تأنيث الشفاعة ليس بحقيقي ، والشفاعة مأخوذة من الشفع وهما الاثنان لأن الشافع والمشفوع له شفع ، وكذلك الشفيع فيما لم يقسم . وسبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا : نحن أبناء اللّه وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا ، فأعلمهم اللّه تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعة ، و لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ * ، وهذا إنما هو في الكافرين ، للإجماع وتواتر الحديث بالشفاعة في المؤمنين . وقوله تعالى : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ ، قال أبو العالية : « العدل الفدية » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وعدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه ، « والعدل » بكسر العين هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه . وحكى الطبري أن من العرب من يكسر العين من معنى الفدية ، فأما واحد الأعدال فبالكسر لا غير ، والضمير في قوله وَلا هُمْ عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآية ، ويحتمل أن يعود على النفسين المتقدم ذكرهما ، لأن اثنين جمع ، أو لأن النفس للجنس وهو جمع ، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا ، فإن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدى . وقوله تعالى : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي خلصناكم ، و آلِ * أصله أهل ، قلبت الهاء ألفا كما عمل في ماء ، ولذلك ردها التصغير إلى الأصل ، فقيل أهيل ، مويه ، وقد قيل في آلِ * إنه اسم غير أهل ، أصله أول وتصغيره أويل ، وإنما نسب الفعل إلى آلِ فِرْعَوْنَ * وهم إنما كانوا يفعلونه بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم .