ابن عطية الأندلسي

125

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

تركيب الشهوة والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة » . وقوله عزّ وجل : كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الكهف : 50 ] يتخرج على أنه عمل عملهم فكان منهم في هذا ، أو على أن الملائكة قد تسمى جنا لاستتارها ، قال تعالى : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً . [ الصافات : 158 ] وقال الأعشى في ذكر سليمان عليه السلام : [ الطويل ] وسخّر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر أو على أن يكون نسبهم إلى الجنة كما ينسب إلى البصرة بصريّ ، لما كان خازنا عليها ، و إِبْلِيسَ * لا ينصرف لأنه اسم أعجميّ معرف . قال الزجاج : « ووزنه فعليل » . وقال ابن عباس والسّدي وأبو عبيدة وغيرهم : هو مشتق من أبلس إذا أبعد عن الخير ، ووزنه على هذا إفعيل ولم تصرفه هذه الفرقة لشذوذه ، وأجروه مجرى إسحاق من أسحقه اللّه ، وأيوب من آب يئوب ، مثل قيوم من قام يقوم ، ولما لم تصرف هذه - ولها وجه من الاشتقاق - كذلك لم يصرف هذا وإن توجه اشتقاقه لقلته وشذوذه ، ومن هذا المعنى قول الشاعر العجاج : [ الرجز ] . يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا أي تغير وبعد عن العمار والإنس به ومثله قول الآخر : [ الرجز ] وفي الوجوه صفرة وإبلاس ومنه قوله تعالى : فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ الأنعام : 44 ] أي يائسون عن الخير مبعدون منه فيما يرون - و أَبى معناه امتنع من فعل ما أمر به ، و اسْتَكْبَرَ دخل في الكبرياء ، والإباية مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه ، والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده . وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال : بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح ، حسد إبليس آدم وتكبر ، وشح آدم في أكله من شجرة قد نهي عن قربها . حكى المهدوي عن فرقة أن معنى وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ * : وصار من الكافرين . وقال ابن فورك : « وهذا خطأ ترده الأصول » . وقالت فرقة : « قد كان تقدم قبل من الجن من كفر فشبهه اللّه بهم وجعله منهم ، لما فعل في الكفر فعلهم » . وذكر الطبري عن أبي العالية أنه كان يقول : « وكان من الكافرين معناه : من العاصين » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت .