ابن عطية الأندلسي

126

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وروي أن اللّه تعالى خلق خلقا وأمرهم بالسجود لآدم فعصوا فأحرقهم بالنار ، ثم خلق آخرين وأمرهم بذلك فعصوا فأحرقهم ، ثم خلق الملائكة فأمرهم بذلك فسجدوا . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : والإسناد في مثل هذا غير وثيق . وقال جمهور المتأولين : معنى وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ * أي في علم اللّه تعالى أنه سيكفر ، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم اللّه منه الموافاة . وذهب الطبري : إلى أن اللّه أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذين كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، مع علمهم بنبوته ومع تقدم نعم اللّه عليهم وعلى أسلافهم . واختلف هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة ، ولا خلاف أنه كان عالما باللّه قبل كفره ، فمن قال إنه كفر جهلا قال : « إنه سلب العلم عند كفره » . ومن قال كفر عنادا قال : « كفر ومعه علمه » ، قال : والكفر عنادا مع بقاء العلم مستبعد ، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل اللّه لمن شاء . ولا خلاف أن اللّه تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة ، وبعد إخراجه قال لآدم اسكن . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) اسْكُنْ * معناه لازم الإقامة ، ولفظه لفظ الأمر ومعناه الإذن ، و أَنْتَ تأكيد للضمير الذي في اسْكُنْ * ، وَزَوْجُكَ * عطف عليه والزوج امرأة الرجل وهذا أشهر من زوجة ، وقد تقدم ، و الْجَنَّةَ البستان عليه حظيرة ، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم ، هل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما ؟ وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها ، وهذا لا يمتنع ، إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثابا لا يخرج منها ، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها . واختلف متى خلقت حواء من ضلع آدم عليه السلام ؟ فقال ابن عباس « حين أنبأ الملائكة بالأسماء واسجدوا له ألقيت عليه السنة وخلقت حواء ، فاستيقظ وهي إلى جانبه » فقال فيما يزعمون : لحمي ودمي ، وسكن إليها ، فذهبت الملائكة لتجرب علمه ، فقالوا له يا آدم ما اسمها ؟ قال : حواء . قالوا : ولم ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي ، ثم قال اللّه له : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ * . وقال ابن مسعود وابن عباس أيضا : لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا ، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصيرى ، ليسكن إليها ويستأنس بها ، فلما انتبه رآها ، فقال : من أنت ؟ قالت : امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي ، وحذفت النون من كُلا * للأمر ، والألف الأولى لحركة الكاف حين حذفت الثانية لاجتماع المثلين وهو حذف شاذ ، ولفظ هذا الأمر ب كُلا * معناه الإباحة ، بقرينة قوله : حَيْثُ شِئْتُما * والضمير في مِنْها عائد على الْجَنَّةَ .