ابن عطية الأندلسي
118
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقراءة الجمهور بكسر الفاء . وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة : ويسفك » بضم الفاء . وقرأ ابن هرمز « ويسفك » بالنصب بواو الصرف كأنه قال : من يجمع أن يفسد وأن يسفك . وقال المهدوي : هو نصب في جواب الاستفهام . قال القاضي أبو محمد : والأول أحسن . وقولهم : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ قال بعض المتأولين : هو على جهة الاستفهام ، كأنهم أرادوا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الآية ، أم نتغير عن هذه الحال . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم : أَ تَجْعَلُ ؟ . وقال آخرون : معناه التمدح ووصف حالهم ، وذلك جائز لهم كما قال يوسف عليه السلام : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ يوسف : 55 ] . قال القاضي أبو محمد : وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف اللّه من يعصيه في قولهم أَ تَجْعَلُ وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . وقال قوم : معنى الآية ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك . وهذا أيضا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم : أَ تَجْعَلُ . ومعنى نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك . وقال ابن عباس وابن مسعود : « تسبيح الملائكة صلاتهم للّه » . وقال قتادة : « تسبيح الملائكة قولهم سبحان اللّه على عرفه في اللغة » . و بِحَمْدِكَ معناه : نخلط التسبيح بالحمد ونصله به ، ويحتمل أن يكون قوله بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين ، كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس ، ثم اعترضوا على جهة التسليم ، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك . وَنُقَدِّسُ لَكَ قال الضحاك وغيره : معناه نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك ، والتقديس التطهير بلا خلاف ، ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة ، ومنه بيت المقدس ، ومنه القدس الذي يتطهر به . وقال آخرون : وَنُقَدِّسُ لَكَ معناه ونقدسك أي نعظمك ونطهر ذكرك عما لا يليق به . قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما . وقال قوم : نقدس لك معناه نصلي لك . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف . وقوله تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ الأظهر أن أَعْلَمُ فعل مستقبل ، و ما في موضع نصب به ،