ابن عطية الأندلسي

119

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقيل أَعْلَمُ اسم ، و ما في موضع خفض بالإضافة ، ولا يصح الصرف فيه بإجماع من النحاة ، وإنما الخلاف في أفعل إذا سمي به وكان نكرة ، فسيبويه والخليل لا يصرفانه ، والأخفش يصرفه . واختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى : ما لا تَعْلَمُونَ فقال ابن عباس : « كان إبليس - لعنه اللّه - قد أعجب ودخله الكبر لما جعله اللّه خازن السماء الدنيا وشرفه » . وقيل : بل لما بعثه اللّه إلى قتل الجن الذين كانوا أفسدوا في الأرض فهزمهم وقتلهم بجنده ، قاله ابن عباس أيضا . واعتقد أن ذلك لمزية له واستحقب الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام . قال : فلما قالت الملائكة وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك . قال اللّه لهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعني ما في نفس إبليس . وقال قتادة : لما قالت الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وقد علم اللّه تعالى أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة ، قال لهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعني أفعال الفضلاء من بني آدم . وقوله تعالى : وَعَلَّمَ معناه عرف وتعليم آدم هنا عند قوم إلهام علمه ضرورة . وقال قوم : بل تعليم بقول ، فإما بواسطة ملك ، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض ، فلا يشارك موسى - عليه السلام - في خاصته . وقرأ اليماني : « وعلّم » بضم العين على بناء الفعل للمفعول ، « آدم » مرفوعا . قال أبو الفتح : « وهي قراءة يزيد البربري » ، و آدَمَ * أفعل مشتق من الأدمة وهي حمرة تميل إلى السواد ، وجمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر ، ولا ينصرف بوجه ، وقيل آدَمَ * وزنه فاعل مشتق من أديم الأرض ، كأن الملك آدمها وجمعه آدمون وأوادم ، ويلزم قائل هذه المقالة صرفه . وقال الطبري : « آدم فعل رباعي سمي به » ، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خلق اللّه آدم من أديم الأرض كلها فخرجت ذريته على نحو ذلك منهم الأبيض والأسود والأسمر والسهل والحزن والطيب والخبيث » . واختلف المتأولون في قوله : الْأَسْماءَ فقال جمهور الأمة : « علمه التسميات » وقال قوم : « عرض عليه الأشخاص » . قال القاضي أبو محمد : والأول أبين ، ولفظة - علمه - تعطي ذلك . ثم اختلف الجمهور في أي الأسماء علمه ؟ فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد : « علمه اسم كل شيء من جميع المخلوقات دقيقها وجليلها » . وقال حميد الشامي : « علمه أسماء النجوم فقط » . وقال الربيع بن خثيم : « علمه أسماء الملائكة فقط » .