الثعلبي

147

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

قال كعب : لمّا أمسك نيل مصر عن الجري قالت القبط لفرعون : [ إن كنت ربّنا فأجر لنا الماء ] ، فركب وأمر جنوده بالركوب وكان مناديه ينادي كل ساعة : ليقف فلان بجنوده قائدا قائدا فجعلوا يقفون على درجاتهم [ وقفز ] حتى بقي هو وخاصته ، فأمرهم بالوقوف حتى بقي في حجّابه وخدّامه ، فأمرهم بالوقوف وتقدّم وحده بحيث لا يرونه [ ونزل عن دابته ] ولبس ثيابا أخر وسجد وتضرع إلى الله ، فأجرى الله تعالى له الماء فأتاه جبرئيل وحده في هيئة مستفت وقال : ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سيد له غيره ، فكفر نعمته وجحد حقّه وادعى السيادة دونه ؟ [ فكتب فرعون : جزاؤه أن يغرق في البحر ] « 1 » . فلمّا أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل : ما مات فرعون ولا يموت أبدا ، فأمر الله تعالى بالبحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصير كأنه ثور فتراءاه بنو إسرائيل ، البحر حتى جازوه ، وقرأ الحسن [ وجوزنا ، وهما لغتان ] . فَأَتْبَعَهُمْ فأدركهم ، يقال : تبعه وأتبعه إذا أدركه ولحقه ، واتّبعه بالتشديد إذا سار خلفه [ واقتدى به ] فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ . بَغْياً وَعَدْواً ظلما واعتداء ، يقال : عدا يعدو عدوا مثل : غزا يغزو غزوا ، وقرأ الحسن ( عُدُوّا ) بضم العين وتشديد الواو مثل : علا يعلو علوّا . قال المفسرون : بَغْياً في القول وَعَدْواً في الفعل . حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ أي أحاط به قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ قرأ حمزة والكسائي وخلف إنّه بالكسر أي آمنت وقلت : إنّه ، وهي قراءة عبد الله . وقرأ الآخرون : أنّ بالفتح لوقوع آمَنْتُ عليها ، وهي اختيار أبو عبيد وأبي حاتم . لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قال جبرئيل آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « قال لي جبرئيل : ما أبغضت أحدا من عباد الله إلّا أنا أبغضت عبدين أحدهما من الجنّ والآخر من الأنس ، فأما من الجنّ فإبليس حين أبى بالسجود لآدم وأما من الإنس ففرعون حين قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ، ولو رأيتني يا محمد وأنا أدسّ الطين في فيه مخافة أن تدركه الرحمة » [ 86 ] « 2 » .

--> ( 1 ) زيادة عن تفسير القرطبي : 8 / 378 . ( 2 ) جامع البيان للطبري : 19 / 102 بتفاوت يسير .