الثعلبي

195

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

شيء ، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك » [ 97 ] « 1 » . فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله ، وألسنة مختلفة ، وأهواء متشتتة ، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة ، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ . . . وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم ، ودخلت في بيوتهم ودورهم ، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا ، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد ، فكشفها عنهم ، وأخذهم عنوة ، فدخلوا في دعوته ، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة ، فجعلهم جندا واحدا . ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم ، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه ، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل ، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا . فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه ، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال ، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود ، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها ، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله ، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك . فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها . ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تأويل - وهي الأمة التي بحيال هاويل ، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه - فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها . فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج ، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس : يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس ، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع ، ويأكلون [ حشرات ] « 2 » الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله ، فليس

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 11 / 51 ، ودلائل النبوة : 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا . ( 2 ) من عرائس المجالس ، وفي المخطوط : فسدة .