الثعلبي
196
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم . فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها . وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا . قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً : أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم ، وأعلم علمهم ، وأقيس ما بين جبليهم . ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد ، ذكرهم وأنثاهم ، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا . قال علي بن أبي طالب : « منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول ، لهم مخالب في [ موضع ] « 1 » الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي ، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم . ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى ، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه ، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد ، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد . فإذا كان ذلك أيقن الموت . وهم يرزقون السينان « 2 » أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم ، وهم يتداعون تداعي الحمام ، ويعوون عواء الذئاب ، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا » « 3 » . فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما ، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء ، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا . وجعل حشوه الصخر ، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر ، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد . فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس ، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون ، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية ، ويحكمون بالعدل
--> ( 1 ) من المصدر . ( 2 ) كذا في المخطوط ، وفي المصدر : التنين . ( 3 ) جامع البيان للطبري : 16 / 26 بتفاوت ، ولم ينسبه لأمير المؤمنين ( عليه السلام )