الثعلبي

102

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

صمت من اللحم فأشريت ، وأخذتني شهوة فحرمت اللحم ، فأنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يعني اللذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب ، وما أحل اللّه لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وَلا تَعْتَدُوا ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام . وقيل : هو جبّ المذاكير وقطع آلة التناسل وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً قال عبد اللّه بن المبارك : الحلال ما أخذته من وجهه والطيب ما غذا ونما فأما الجوامد والطين والتراب ، وما لا يغذي فمتروك إلّا على جهة للتداوي وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ . روي عن عائشة وأبي موسى الأشعري أن النبي ( عليه السلام ) كان يأكل الفالوذج والدجاج وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال : « إن المؤمن حلو يحب الحلاوة » « 1 » . وقال : « في بطن المؤمن زاوية لا يملأها إلّا الحلواء » « 2 » [ 108 ] . وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي فقال : يا فرقد ما تقول في هذا ؟ فقال فرقد : لا آكله فلا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال : يا هذا أتحب لباب البر مع سمن البقر ؟ هل يعيبه مسلم . وجاء رجل إلى الحسن فقال : إن لي جار لا يأكل الفالوذ ، قال : ولم ؟ قال : يقول : لا يروي شكره . قال الحسن : ويشرب الماء البارد ؟ قال : نعم ، قال : جارك جاهل إن نعمة اللّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ . قال ابن عباس : لما نزلت لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الآيتين ، قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتّفقوا « 3 » فأنزل اللّه تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ قرأ أهل الحجاز والبصرة عَقَّدْتُمُ مشددا بمعنى وكّدتم ، واختار أبو حاتم فقرأها أهل الكوفة بالتخفيف واختاره أبو عبيدة . [ والتشديد التكرير مرّة بعد مرّة ، . . . ] أمن أن يلزم من قراءتك . [ الفراء ] : أن لا يوجب الكفارة عليه في اليمين الواحدة متى يرددها مرارا وهذا خلاف الإجماع . وقرأ أهل الشام : عاقدتم بالألف ، يكون من واحد مثل : جاياك اللّه ونحوها . وقرأ الأعمش بما عقدت الأيمان جعل الفعل الإتيان . ومعنى الآية ما قصدتم وتعمدتم وأردتم ونويتم كقوله بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ .

--> ( 1 ) كنز العمال 1 / 146 ، والجامع الصغير : 2 / 259 وفيه : قلب المؤمن . ( 2 ) تفسير مجمع البيان : 3 / 406 . ( 3 ) تفسير الطبري : 7 / 19 ، وأسباب النزول للواحدي : 138 .