الثعلبي
275
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع ( الَّذِينَ ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيّئنا ، والاسم منه العتاد . قال عدي بن الرقاع : تأتيه أسلاب الأعزة عنوة * قسرا ويجمع للحروب عتادها « 1 » وقال للفرس المعد للحرب : عتّد وعتد . وقال الشاعر الجعفي : حملوا بصائرهم على أكتافهم * وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي « 2 » يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي على كره منهن . قال المفسرون : كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام ، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها ، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره ، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق ، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ، ولم يعطها منه شيئا ، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها ، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت ، أو تموت هي فيرثها ، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها ، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية ، فقام ابن له من غيرها يقال له : ( حصن ) . وقال مقاتل بن حيان : اسمه قيس بن أبي قيس ، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها ، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها ، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها ، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه ، فأتت كبيشة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالت : يا رسول اللّه إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي ، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر اللّه » [ 265 ] قالت : فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة ، فأتين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في مسجد الفضيح فقلن : يا رسول اللّه ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية « 3 » .
--> ( 1 ) الاسلاب : ما يسلب من الحرب ، والبيت في تفسير مجمع البيان : 3 / 42 . ( 2 ) تفسير الطبري : 7 / 396 ، تفسير القرطبي : 7 / 57 . ( 3 ) أسباب النزول : 98 .