الثعلبي
261
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وجاز القسمة . قال : فجاءت أم كحة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في مسجد الفضيح فقالت : يا رسول اللّه إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات له ثلاثا وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن ، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة ، فلم يعطياني ولا بناته من المال شيئا وهنّ في حجري ، ولا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهن رأس . فدعاهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالا : يا رسول اللّه ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكأ عدوا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « انصرفوا حتى أنظر ماذا يحدث اللّه لي فيهن » « 1 » [ 246 ] فانصرفوا فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . لِلرِّجالِ يعني الذكور من أولاد الميت وأقربائه نَصِيبٌ وحظ وسهم مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من الميراث ، والإناث لهن حصّة من الميراث . مِمَّا قَلَّ مِنْهُ المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً حظا معلوما واجبا ، نظيرها فيما قال : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً « 2 » وهو نصب لخروجه مخرج المصدر كقول القائل : لك عليّ حق حقا واجبا ، وعندي درهم هبة مقبوضة ، قاله الفراء . وقال أبو عبيدة : هو نصب على الخروج ، الكسائي : على القطع ، الأخفش : جعل ذلك نصيبا فأثبت لهم في الميراث حقا ، ولم يبيّن كم هو . - فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى سويد وعرفجة : « لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئا ، فإن اللّه تعالى جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبين كم هو ، حتى ننظر ما ينزل اللّه عزّ وجلّ فيهن » ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فلما نزلت أرسل رسول اللّه إلى سويد وعرفجة : « أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ممّا ترك وإلى بناته الثلثين ، ولكما باقي المال » « 3 » . وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي فارضوهم من المال قبل القسمة ، واختلف العلماء في حكم هذه الآية : فقال قوم : هي منسوخة . وقال سعيد بن المسيب والضحاك وأبو مالك : كانت هذه قبل آية المواريث ، فلما نزلت آية الميراث جعلت الميراث لأهلها الوصية ونسخت هذه الآية ، وجعلت لذوي القربى الذين يحزنون ولا يرثون اليتامى والمساكين ، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس . وقال آخرون : هي محكمة ، وهو قول الأشعري والنخعي والشعبي والزهري ورواية عكرمة ومقسم عن ابن عباس . وقال مجاهد : واجبة على أهل الميراث ما طابت بها أنفسهم .
--> ( 1 ) أسباب النزول : 96 . ( 2 ) سورة النساء : 118 . ( 3 ) تفسير القرطبي : 5 / 47 .