الثعلبي

153

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

والديك » قال عندي آخر ، قال : « أنفقه على قرابتك » قال : عندي آخر قال : « أنت أبصر » . وروى محمود بن سهل عن عامر بن عبد الله قال : أتى رسول الله رجل ببيضة من ذهب [ استلّها ] من بعض المعادن فقال : يا رسول الله خذها مني صدقة ، فوالله ما أمسيت أملك غيرها ، فأعرض عنه ، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه . فأتاه من ركنه الأيسر فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم قال له مثل ذلك فقال مغضبا : هاتها فأخذها منه وحذفه بها حذفة لو أصابه لفجّه أو عقره ، ثم قال : هل يأتي أحدكم بما يملكه ليتصدق به ويجلس يكفّف الناس ، أفضل الناس ما كان عن طهر غنيّ ، وليبدأ أحدكم بمن يعول . قال الكلبي : فكان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله نفقة سنة أمسكه وتصدّق بسائره ، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدّق بالباقي ، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها قبل نزول الزكاة . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ قال الزجاج : إنما قال : كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة لأن الجماعة معناها القبيل كأنّه قال : أيّها القبيل يبيّن الله لكم ، وجائز أن يكون خطابا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ؛ لأن خطابه مشتمل على خطاب أمّته كقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ وقال المفضل بن سلمة : معنى الآية كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ في النفقة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا ، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى . وقال أكثر المفسّرين : معناها : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ في أمر الدنيا والآخرة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها ، وفي إقبال الآخرة وذهابها فترغبوا فيها . وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قال الضحّاك والسدّي وابن عباس في رواية عطية : كان العرب في الجاهلية يعظّمون شأن اليتيم ويشدّدون في أمره حتّى كانوا لا يؤاكلونه ، ولا يركبون له دابّة ، ولا يستخدمون له خادما ، وكانوا يتشاءمون بملامسة أموالهم ، فلمّا جاء الإسلام سألوا عن ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية . وقال قتادة والربيع وابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعلي بن أبي طلحة : لمّا نزل في أمر اليتامى وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وقوله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً اعتزلوا أموال اليتامى وعزلوا طعامهم من طعامهم ، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء حتّى كان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتّى يفسد واشتدّ ذلك عليهم ، وسألوا عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنزلت وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى .