أبو الليث السمرقندي
81
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني : أفلم يعلموا أن اللّه خالقهم ، وخالق السماوات والأرض ، وهو قادر على أن يخسف بهم إن لم يوحدوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي : لعلامة لوحدانيتي . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) قوله عز وجل : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يعني : أعطيناه النبوة والملك يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ يعني : سبحي مع داود . وأصله في اللغة من الرجوع . وإنما سمي التسبيح إيابا لأن المسبح مرة بعد مرة وقال القتبي : أصله التأويب من السير ، وهو أن يسير النهار كله ، كأنه أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل . ثم قال : وَالطَّيْرَ وقرئ في الشاذ : والطير بالضم . وقراءة العامة بالنصب . فمن قرأ بالضم : فهو على وجهين . أحدهما أن يكون نسقا على أوبي ، والمعنى يا جبال ارجعي بالتسبيح معه أنت والطير . ويجوز أن يكون مرفوعا على النداء والمعنى أيها الجبال وأيها الطير . ومن قرأ بالنصب فلثلاث معان أحدها لنزع الخافض ومعناه : أوبي معه ، ومع الطير . والثاني أنه عطف على قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا وآتيناه الطير يعني : وسخرنا له الطير . والثالث أن النداء إذا كان على أثره اسم ، فكان الأول بغير الألف واللام ، والثاني بالألف واللام ، فإنه في الثاني بالخيار إن شاء نصبه ، وإن شاء رفعه والنصب أكثر كما قال الشاعر : ألا يا زيد والضّحاك سيرا * فقد جاوزتما خمر الطّريق ورفع زيدا لأنه نداء مفرد ، ونصب الضحاك بإدخال الألف واللام . ثم قال عز وجل : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ يعني : جعلنا له الحديد مثل العجين أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ يعني : قلنا له اعمل الدروع الواسعة . وكان قبل ذلك صفائح الحديد مضروبة . ثم قال : وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ قال السدي : السَّرْدِ المسامير التي في خلق الدرع . وقال مجاهد : وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي : لا تدق المسامير ، فتقلقل في الحلقة ، ولا تغلظها فتعصمها ، واجعله قدرا بين ذلك . وقال في رواية الكلبي هكذا . وقال بعضهم : هذا لا يصح لأن الدروع التي عملها داود - عليه السلام - وكانت بغير مسامير ، لأنها كانت معجزة له . ولو كان محتاجا إلى المسمار لما كان بينه وبين غيره فرق . وقد يوجد من بقايا تلك الدروع بغير مسامير ، ولكن معنى قوله : وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي : قدر في نسخها وطولها وعرضها وضيقها وسعتها . ويقال : قَدِّرْ في تأليفه والسرد في اللغة تقدمة الشيء إلى الشيء . يأتي منسقا بعضه إلى أثر