أبو الليث السمرقندي

64

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله عز وجل : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ يعني : بالتبني . وليس بأب لزيد بن حارثة وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ يعني : ولكنه محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ويقال : لم يكن أب الرجال لأن بنيه ماتوا صغارا ، ولو كان الرجال بنيه لكانوا أنبياء ، ولا نبي بعده . فذلك قوله : وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ قرأ بعضهم ولكن رَسُولَ اللَّهِ بضم اللام ، ومعناه : ولكن هو رسول اللّه وكان خاتَمَ النَّبِيِّينَ وقرأ عاصم في إحدى الروايتين وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ بنصب التاء . وقرأ الباقون : بالكسر . فمن قرأ بالكسر يعني : آخر النبيين . ومن قرأ بالنصب فهو على معنى إضافة الفعل إليه . يعني : أنه ختمهم وهو خاتم . قال أبو عبيد : وبالكسر نقرأ لأنه رويت الآثار عنه أنه قال « أنا خاتم النّبيّين » فلم يسمع أحد من فقهائنا يروون إلا بكسر التاء . وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً بمن يصلح للنبوة ، وبمن لا يصلح . فإن قيل : كيف يظن برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه يظهر من نفسه ، خلاف ما في قلبه . قيل له : يجوز مثل هذا لأن في قوله أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ أمر بالمعروف وفيه ردّ النفس عما تهوى . وهذا عمل الأنبياء والصالحين - عليهم السلام - . وقال بعضهم : للآية وجه آخر وهو أن اللّه تعالى قد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنها تكون زوجته . فلما زوّجها من زيد بن حارثة لم يكن بينهما ألفة . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ينهاه عن الطلاق ، ويخفي في نفسه ما أخبره اللّه تعالى . وقال : بأنها تكون زوجته . فلما طلقها زيد بن حارثة ، كان يمتنع من تزوجها ، خشية مقالة الناس ، يتزوج امرأة ابنه المتبنى به . فأمره اللّه عز وجل بأن يتزوجها ، ليكون ذلك سبب الإباحة لنكاح امرأة الابن المتبنى لأمته ونزل وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [ الأحزاب : 37 ] الآية . ثم قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يعني : اذكروا اللّه باللسان . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد » . قيل : يا رسول اللّه فما جلاؤها ؟ قال : تلاوة كتاب اللّه عزّ وجلّ ، وكثرة ذكره » . وذكر أن أعرابيا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إن شرائع الإسلام قد كثرت ، فأنبئني منها بأمر أتشبث به . فقال : « لا يزال لسانك رطبا من ذكر اللّه عزّ وجلّ » . ويقال : ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر اللّه تعالى ، لأنه قدر لكل عبادة مقدارا ، ولم يقدر للذكر ، وأمر بالكثرة فقال : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يعني : اذكروه في الأحوال كلها . لأن الإنسان لا يخلوا من أربعة أحوال . إما أن يكون في الطاعة ، أو في المعصية ، أو في النعمة ، أو في الشدة . فإذا كان في