أبو الليث السمرقندي
561
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
عملا فَمُلاقِيهِ في عملك ما كان من خير أو شر . فالأول قول مقاتل ، والثاني قول الكلبي ، وقال الزجاج : الكدح في اللغة ، السعي في العمل ، وجاء في التفسير ، إنك عامل عملا فملاقيه . أي : ملاق ربك . قيل : فملاقي عملك . ثم قال عز وجل : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يعني : المؤمن فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً يعني : حسابا هينا وَيَنْقَلِبُ أي : يرجع إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً الذي أعد اللّه له في الجنة سرورا به . وروى ابن أبي مليكة ، عن عائشة - رضي اللّه عنها - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من نوقش في الحساب يوم القيامة عذّب » فقلت : أليس يقول اللّه تعالى فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً يعني : هينا . قال : « ليس ذلك في الحساب ، إنما ذلك العرض ، ولكن من نوقش للحساب يوم القيامة ، عذب » . ويقال : حسابا يسيرا ، لأنه غفرت ذنوبه ، ولا يحاسب بها ، ويرجع من الجنة مستبشرا . وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ يعني : الكافر ، يخرج يده اليسرى من وراء ظهره ، يعطى كتابه بها فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً يعني : بالويل والثبور على نفسه . وَيَصْلى سَعِيراً يعني : يدخل في الآخرة نارا وقودا . قرأ أبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة وَيَصْلى سَعِيراً بنصب الياء ، وجزم الصاد مع التخفيف . والباقون ويصلى بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد . فمن قرأ يَصْلى بالتخفيف ، فمعناه : أنه يقاسي حر السعير وعذابه . يقال : صليت النار ، إذا قاسيت عذابها وحرها . ومن قرأ بالتشديد ، فمعناه أنه يكثر عذابه في النار ، حتى يقاصي حرها . إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً يعني : في الدنيا مسرورا ، بما أعطي في الدنيا ، فلم يعمل للآخرة . [ سورة الانشقاق ( 84 ) : الآيات 14 إلى 19 ] إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً ( 15 ) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ( 17 ) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ( 18 ) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ( 19 ) قوله عز وجل : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ قال مقاتل : ظن أن لن يرجع إلى اللّه تعالى في الآخرة ، وهي لغة الحبشة ، وقال قتادة : يعني : ظن أن لن يبعثه اللّه تعالى . وقال عكرمة : ألم تسمع إلى قول الحبشي ، إذا قيل له حر يعني : أرجع إلى أهلك . ثم قال : بَلى يعني : ليرجعنّ إلى ربه في الآخرة إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً يعني : كان عالما به ، من يوم خلقه إلى يوم بعثه . قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ يعني : أقسم بالشفق ، والشفق الحمرة ، والبياض الذي بعد غروب الشمس . وهذا التفسير ، يوافق قول أبي حنيفة رحمه اللّه . وروي عن مجاهد ، أنه قال : الشفق هو ضوء النهار . وروي عنه أنه قال : الشفق النهار كله ، وروي عن ابن عمر أنه قال : الشفق الحمرة ، وهذا يوافق قول أبي يوسف ، ومحمد ، رحمهما اللّه .