أبو الليث السمرقندي
544
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 27 إلى 41 ] أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ( 29 ) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ( 35 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) ثم وعظ أهل مكة فقال : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ يعني : أبعثكم بعد الموت أشد ، أم خلق السماء في المشاهدة عند الناس ، خلق السماء أشد . فالذي هو قادر على خلق السماء ، قادر على البعث . ثم قال : بَناها يعني : خلق السماء مرتفعة رَفَعَ سَمْكَها أي : سقفها بغير عمد فَسَوَّاها يعني : سوى خلقها . ويقال : خلقها مستوية ، بلا صدع ولا شق وَأَغْطَشَ لَيْلَها يعني : أظلم ليلها وَأَخْرَجَ ضُحاها يعني : أنوار ضحاها ، وشمسها ونهارها ، فإنها راجعة إلى السماء . ثم قال عز وجل : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يعني : بعد خلق الأرض السماء ، وبسط الأرض ومدها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها يعني : من الأرض ماءها . يعني : عيونها للناس وَمَرْعاها للدواب والأنعام . قال القتبي : هذا من جوامع الكلم ، حيث ذكر شيئين على جميع ما يخرج من الأرض قوتا ، ومتاعا للأنعام من العنب ، والشجر ، والحب ، والتمر ، والملح والنار ، لأن النار من العيدان ، والملح من الماء . ثم قال عز وجل : وَالْجِبالَ أَرْساها يعني : أوتدها وأثبتها مَتاعاً لَكُمْ يعني : منفعة لكم وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى يعني : الصيحة العظمى ، وإنما سميت الطامة ، لأنها طمت وعلت فوق كل شيء يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى يعني : يعلم بكل شيء عمله في الدنيا . ويقال : يوم ينظر الإنسان في كتابه ، بما عمل في الخير والشر وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يعني : أظهرت الجحيم لِمَنْ يَرى يعني : لمن وجب له فَأَمَّا مَنْ طَغى يعني : كفر وعلا وتكبر . وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني : اختار ما في الدنيا على الآخرة . ويقال : اختار العمل للدنيا على الآخرة فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى يعني : مأوى من كان هكذا . وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ يعني : خاف المقام بين يدي ربه وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى يعني : منع نفسه عن معاصي اللّه تعالى ، وعمل بخلاف ما تهوى في الحرام فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى يعني : مأوى من كان هكذا . قال علي بن أبي طالب ، - رضي اللّه عنه - أخوف ما