أبو الليث السمرقندي

533

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ يعني : هكذا يفعل اللّه بالكفار وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني : الذين كذبوا رسلهم ثمّ قال : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعني : من نطفة ، وهو ماء ضعيف فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ يعني : في رحم الأم . إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ يعني : إلى وقت معروف ، وهو وقت الخروج من البطن . فَقَدَرْنا يعني : فخلقنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ يعني : نعم الخالق ، وهو أحسن الخالقين . قرأ نافع ، والكسائي فَقَدَرْنا بتشديد الدال المهملة ، والباقون بالتخفيف ، ومعناهما واحد . يقال : قدرت كذا وكذا ، وقد يعني : خلقه في بطن الأم نطفة ، ثمّ علقة ثمّ مضغة . يعني : قدرنا خلقه قصيرا وطويلا ، فنعم القادرون . يعني : فنعم ما قدر اللّه تعالى خلقهم ، ثمّ أخبرهم بصنعه ليعتبروا ، فيؤمنوا بالبعث ، وعرفوا الخلق الأول فقال : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني : الشدة من العذاب لمن رأى الخلق الأول ، فأنكر الخلق الثاني . ويقال : فنعم القادرون ، يعني : نعم المقدرون . ويقال : نعم المالكون . ثمّ قال عز وجل : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً يعني : أوعية للخلق . ويقال : موضع القرار ، ويقال : بيوتا ومنزلا أَحْياءً وَأَمْواتاً يعني : ظهرها منازل الأحياء ، وبطنها منازل الأموات . وقال الأخفش : يعني : أوعية للأحياء والأموات . وقال الشعبي : بطنها لأمواتكم ، وظهرها لأحيائكم . ويقال : يعني : نظمكم فيها ، والكفت الضم وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ يعني : الجبال الثقال : شامِخاتٍ يعني : عاليات طوالا وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً يعني : ماء عذبا من السماء ، ومن الأرض وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني : ويل لمن عاين هذه الأشياء ، وأنكر وحدانية اللّه تعالى والبعث . ثمّ قال عز وجل : انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يعني : يوم الفصل . يقال لهؤلاء الذين أنكروا البعث ، انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون ، يعني : انطلقوا إلى العذاب . ثمّ قال عز وجل : انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ وذلك أنه يخرج عنق من النار ، فيحيط الكفار مثل السرادق ، ثمّ يخرج من دخان جهنم ظل أسود ، فيفرق فيهم ثلاث فرق رؤوسهم ، فإذا فرغ من عرضهم قيل لهم انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ ينفعهم وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ يعني : السرادق من لهب النار . وقال القتبي : وذلك أن الشمس تدنو من رؤوسهم ، يعني : رؤوس الخلق أجمع ، وليس عليهم يومئذ لباس ، ولا لهم أكنان . ينجي اللّه تعالى برحمته من يشاء إلى ظل من ظله . ثمّ قال للمكذبين : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب اللّه وعقابه ، انطلقوا إلى ظل ، أي : دخان من نار جهنم قد يسطع . ثمّ افترق ثلاث فرق ، فيكونون فيه ، إلى أن يفرغ من الحساب ، كما يكون أوليائه في ظله . ثمّ يؤمر لكل فريق إلى مستقره الجنة ، أو إلى النار . ثم