أبو الليث السمرقندي

53

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعني : تدور أعينهم كدوران الذي هو في غثيان الموت ، ونزعاته جبنا وخوفا فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وجاءت قسمة الغنيمة سَلَقُوكُمْ يعني : رموكم . ويقال : طعنوا فيكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ يعني : سلاط باسطة بالشر أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ يعني : حرصا على الغنيمة . ويقال : بخلا على الغنيمة أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا يعني : لم يصدقوا حقّ التصديق فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ يعني : أبطل اللّه ثواب أعمالهم . وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني : إبطال أعمالهم . ويقال : عذابهم في الآخرة على اللّه هيّن . ثم قال عز وجل : يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا يعني : يظنون أن الجنود لم يذهبوا من الخوف والرعب وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ مرة أخرى . ويقال : حكاية عن الماضي يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يعني : تمنوا أنهم خارجون في البادية مع الأعراب يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ يعني : عن أخباركم وأحاديثكم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ يعني : معكم في القتال ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياء وسمعة من غير حسبة . وقرئ في الشاذ يسئلون بتشديد السين وأصله يتساءلون أي : يسأل بعضهم بعضا . وقراءة العامة يَسْئَلُونَ لأنهم يسألون القادمين . ولا يسأل بعضهم بعضا . قوله عز وجل : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قرأ عاصم أُسْوَةٌ بضم الألف . وقرأ الباقون : بالكسر . وهما لغتان ومعناهما واحد . يعني : لقد كان لكم اقتداء بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم وقدوة حسنة ، وسنة صالحة ، لأنه كان أسبقهم في الحرب . وكسرت رباعيته يوم أحد . وواساكم بنفسه في مواطن الحرب . لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ يعني : يخاف اللّه عز وجل : وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً باللسان وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ يعني : الجنود يوم الخندق والقتال قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ في سورة البقرة وهو قوله عز وجل : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 214 ] الآية . ويقال : إنه قد أخبرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه نازل ذلك الأمر . فلما رأوه قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً يعني : لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقا لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجرأة وَتَسْلِيماً يعني : تواضعا لأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ثم نعت المؤمنين : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 23 إلى 27 ] مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 ) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ( 26 ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 27 )