أبو الليث السمرقندي
54
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فقال عز وجل : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ يعني : وفوا بالعهد الذي عاهدوا ليلة العقبة فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ يعني : أجله فمات . أو قتل على الوفاء . يعني : وفاء بالعهد . وقال القتبي : النحب في اللغة النذر . وذلك أنهم نذروا ، إذا لقوا العدو أن يقاتلوا فقتل في القتال ، فسمي قتله قضاء نحبه ، واستعير النحب مكان الموت . وقال مجاهد : النحب العهد . وروى عيسى بن طلحة قال : جاء أعرابي فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن الذين قضوا نحبهم فأعرض عنه . وطلع طلحة بن عبيد اللّه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « هذا ممّن قضى نحبه » . ثم قال عزّ وجلّ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يعني : ينتظر أجله وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا يعني : ما غيّروا بالعهد الذي عهدوا تغييرا . ثم قال عز وجل : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ يعني : الوافين بوفائهم وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ يعني : إذا ماتوا على النفاق إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يعني : يقبل توبتهم إن تابوا إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً لمن تاب منهم رحيما بهم قوله عز وجل : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني : صدهم وهم الكفار الّذين جاءوا يوم الخندق بِغَيْظِهِمْ يعني : صرفهم عن المدينة مع غيظ منهم لَمْ يَنالُوا خَيْراً يعني : لم يصيبوا ما أرادوا من الظفر والغنيمة وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ يعني : دفع اللّه عنهم مؤنة القتال حيث بعث عليهم ريحا وجنودا . وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً فلما رجع النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الخندق دخل المدينة ، ودخل على فاطمة - رضي اللّه عنها - ، وأراد أن يغسل رأسه . فجاءه جبريل - عليه السلام - : وقال : لا تغسل رأسك ، ولكن اذهب إلى بني قريظة . فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ويقال : إن جبريل - عليه السلام - قال له حين وضع سلاحه : وضعت سلاحك ؟ قال : « نعم » قال : ما وضعت الملائكة - عليهم السلام - سلاحها بعد ، وقد أمرك اللّه عز وجل أن تنهض نحو بني قريظة ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الناس فقال : « عزمت عليكم أن لا تصلّوا العصر إلّا ببني قريظة » . فلبس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سلاحه وخرج المسلمون معه ، واللواء في يد علي بن أبي طالب - رضي اللّه