أبو الليث السمرقندي

505

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يقول اللّه تعالى : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يعني : في الجاهلية يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ ، وذلك أن الرجل إذا نزل في فضاء من الأرض ، كان يقول أعوذ بسيد هذا الوادي ، فيكون في أمانهم تلك الليلة . فَزادُوهُمْ رَهَقاً يعني : زادوا للجن عظمة وتكبروا ، ويقولن : بلغ من سؤددنا أن الجن والإنس يطلبون منا الأمان ، وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يعني : كفار الجن حسبوا كما حسبتم يا أهل مكة ، أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً يعني : بعد الموت ، يعني : إنهم كانوا غير مؤمنين ، كما أنكم لا تؤمنون . ويقال : إنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث اللّه أحدا يعني : رسولا . فقد أرسل محمدا صلّى اللّه عليه وسلم . ثم رجع إلى كلام الجن ، فقال : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ يعني : صعدنا وأتينا السماء لاستراق السمع . فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً يعني : حفاظا أقوياء من الملائكة . وَشُهُباً يعني : رمينا نجما متوقدا . وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ يعني : كنا نقعد فيما مضى للاستماع من الملائكة ، ما يقولون فيما بينهم من الكوائن . فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً يعني : نجما مضيئا . والرصد : الذي أرصد للرجم يعني : النجم . وروى عبد الرزاق ، عن معمر قال : قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : نعم . قلت : أفرأيت قوله : فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قال : غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم . قال الجن بعضهم لبعض : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ؟ يعني : يبعثه فلم يؤمنوا فيهلكوا أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ؟ يعني : خيرا وصوابا ، فيؤمنوا ويهتدوا . ويقال : لا ندري أخيرا أريد بأهل الأرض أو الشرحين حرست السماء ، ورمينا بالنجوم ، ومنعنا السمع ؟ ويقال : أريد عذابا بمن في الأرض ، بإرسال الرسول بالتكذيب له ، أو أراد بهم ربهم خيرا ببيان الرسول لهم هدى وبيانا . ثم قال عز وجل : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ يعني : الموحدين والمسلمين . وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ يعني : ليسوا بموحدين . كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً يعني : فينا أهواء مختلفة وملل شتى . وقال القتبي : يعني : فرقا مختلفة ، وكل فرقة قدة مثل القطعة في التقدير ، والطرائق : جمع الطريق . قوله تعالى : وَأَنَّا ظَنَنَّا يعني : علمنا وأيقنا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يعني : لا يفوت أحد من اللّه تعالى . وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ، لا يقدر الهرب منه . قال اللّه عز وجل : وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى يعني : القرآن يقرؤه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، آمَنَّا بِهِ يعني : صدقنا بالقرآن ؛ ويقال : بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ ويقال : صدقنا باللّه تعالى فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ قال بعضهم هذا من كلام اللّه تعالى للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فمن يصدق بوحدانية اللّه تعالى ، فَلا يَخافُ بَخْساً يعني : نقصانا من ثواب عمله ، وَلا رَهَقاً يعني : ذهاب عمله . وهذا كقوله تعالى فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً . [ طه : 112 ] ويقال : هذا كلام الجن بعضهم لبعض ، فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً . والرهق : الظلم أن يجعل ثواب عمله لغيره . والبخس النقصان من ثواب عمله .