أبو الليث السمرقندي

48

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

فمكث الجنود حول المدينة بضعة عشرة ليلة ، فأرسل عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إنك إن أعطيتنا تمر المدينة هذه السنة ، نرجع عنك بغطفان وكنانة ، ونخلي بينك وبين قومك فتقاتلهم . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا » . فقال : فنصف ذلك التمر . قال : « نعم » . وكان عند النبي صلّى اللّه عليه وسلم سعد بن معاذ وهو سيد الأوس ، وسعد بن عبادة وهو سيد الخزرج . فقال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عيينة ، والحارث بن عوف لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : اكتب لنا كتابا . فدعى بصحيفة ليكتب بينهم . فقال سعد بن معاذ وسعد بن عبادة : يا رسول اللّه أوحي إليك في هذا شيء . فقال : « لا ولكنّني رأيت العرب رمتكم من قوس واحدة فقلت أردّ هؤلاء وأقاتل هؤلاء » فقالا : ما رجون بهذا منها في الجاهلية قط أن يأخذوا منا تمرة واحدة إلا بشراء وقرى . فحين زادنا اللّه بك ، وأمدنا بك ، وأكرمنا بك ، نعطيهم الدنية . لا نعطيهم شيئا إلا بالسيف . فشق النبي صلّى اللّه عليه وسلم الصحيفة قال : « اذهبوا فلا نعطيكم شيئا إلّا بالسّيف » . فلما كان يوم الجمعة أرسل أبو سفيان إلى حييّ بن أخطب أن استعدّ غدا إلى القتال فقد طال المقام هاهنا وقل لقومك يعدوا . فلما جاء بني قريظة الرسول ، فقالوا : غدا يوم السبت لا نقاتل فيه . فقال أبو سفيان : نحن نؤخر القتال إلى يوم الأحد . هاتوا لنا رهونا أبناءكم نثلج إليهم أي : نطمئن بذلك . فجاء رسول أبي سفيان إلى بني قريظة ، وقد أمسوا ، فقالوا : هذه الليلة لا يدخل علينا أحد ، ولا يخرج من عندنا أحد . فوقع في نفس أبي سفيان من قول نعيم بن مسعود أنه خوان حق ، وأن نقض العهد كان مكرا منهم . فلما كانت الليلة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه عند الخندق فصلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثلث الليل ثم قال : « من رجل ينظر ما يفعل القوم أدخله اللّه الجنّة » . فما تحرك منهم أحد . ثم صلّى الثلث الثاني فقال : « من رجل ينظر ما يفعل القوم » فما تحرك منهم أحد ثم صلّى ساعة ، ثم هتف مرة أخرى ، فما تحرك منهم إنسان . فقال : « يا حذيفة » فجاء حذيفة . فقال : « أما سمعت كلامي منذ اللّيلة » . قال : بلى . ولكن بي من الجوع والقر - يعني : البرد - لم أقدر على أن أجيبك . قال : « اذهب فانظر ما فعل القوم ، ولا ترمي بسهم ، ولا بحجر ، ولا تطعن برمح ، ولا تضرب بسيف » . فقال : يا رسول اللّه إني لا أخشى أن يقتلوني ، إني لميت . ولكن أخشى أن يمثلوا بي . فقال : « ليس عليك بأس » . فلما قال هذا ، قال حذيفة : آمنت وعرفت أنه لا بأس علي . فلما ولى حذيفة ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته » . فدخل حذيفة رضي اللّه عنه في عسكر قريش ، فإذا هم يصطلون يعني : مجتمعين على نار لهم . فجلس حذيفة في حلقة منهم . فقال : أتدرون ما يريد الناس غدا ؟ قالوا : ماذا يريدون ؟ قال : يقولون : يعني : أهل العساكر - أين قريش ؟ أين سادات الناس