أبو الليث السمرقندي
471
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ يعني : جاهد الكفار بالسيف ، وجاهد المنافقين بالقول والتهديد . وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ يعني : اشدد عليهم ، يعني : على كلا الفريقين ، يعني : على الكفار بالسيف ، وعلى المنافقين باللسان . وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني : إن لم يرجعوا ولم يتوبوا ، فمرجعهم إلى جهنم ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني : بئس القرار وبئس المرجع . قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا يعني : وصف اللّه شبها لكفار مكة ، وذلك أنهم استهزءوا وقالوا : إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم يشفع لنا . فبيّن اللّه تعالى أن شفاعته - عليه السلام - لا تنفع لكفار مكة ، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته . وشفاعة لوط لامرأته . وذلك قوله : لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ واسمها واعلة ، وَامْرَأَتَ لُوطٍ واسمها داهلة . ويقال : فيه تخويف لأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ليثبتن على دينه وطاعته . ثم قال : كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ يعني : نوحا ولوطا - عليهما السلام - فَخانَتاهُما يعني : خالفتاهما في الدين . وروي عن ابن عباس أنه قال : ما زنت امرأة نبي قط ، وما كانت خيانتهما إلا في الدين . فأما امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون ، وأما امرأة لوط كانت تدل على الأضياف . وقال عكرمة : الخيانة في كل شيء ليس في الزنى . فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني : لم يمنعهما صلاح زوجيهما مع كفرهما من اللّه شيئا ، يعني : من عذاب اللّه شيئا . وَقِيلَ لهما في الآخرة : ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ، فكذلك كفار مكة ، وإن كانوا أقرباء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، لا ينفعهم صلاح النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وكذلك أزواجه ، إذا خالفنه . ثم ضرب اللّه مثلا للمؤمنين ، فقال عز وجل : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني : بيّن اللّه شبها وصفة للمؤمنين الذين آمنوا . امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ، فإنها كانت صالحة ، لم يضرها كفر فرعون ، فكذلك من كان مطيعا للّه لا يضره شر غيره ؛ ويقال : هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة ، يعني : لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون ، صبرت على إيذاء