أبو الليث السمرقندي

453

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

حَتَّى يَنْفَضُّوا قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني : مفاتيح السماوات وهي المطر والرزق ، ومفاتيح الأرض وهي النبات . وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ أمر اللّه تعالى . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ يعني : القوي مِنْهَا يعني : من المدينة الذليل يعني : محمدا صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه . قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ يعني : المقدرة والمنعة للّه ولرسوله . وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، حيث قواهم اللّه تعالى ونصرهم وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ يعني : لا يصدقون في السر . ويقال : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ يعني : القدرة ، ويقال : نفاذ الأمر وَلِرَسُولِهِ ، وهو عزة النبوة والرسالة وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وهو عز الإيمان والإسلام ، أعزهم اللّه في الدنيا والآخرة . ولكن المنافقين لا يعلمون . ثم قال عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ يعني : لا تشغلكم أموالكم وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يعني : عن طاعة اللّه تعالى . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني : من لم يعمل بطاعته ولم يؤمن بوحدانيته ، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني : المغبونين بذهاب الدنيا وحرمان الآخرة . ثم قال عز وجل : وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ يعني : تصدقوا مما رزقناكم ، أي : مما رزقكم اللّه من الأموال . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني : يقول : يا سيدي ردني إلى الدنيا ، فَأَصَّدَّقَ يعني : فأتصدق ، ويقال : أصدق باللّه . وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني : أفعل كما فعل المؤمنون . وروى الضحاك ، عن ابن عباس أنه قال : من كان له مال يجب فيه الزكاة فلم يزكه ، أو مال يبلغه بيت اللّه فلم يحج ، سأل عند الموت الرجعة قال : فقال رجل : اتق اللّه يا ابن عباس ، سألت الكفار الرجعة . قال : إني أقرأ عليك بهذا القرآن . ثم قرأ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ فقال رجل : يا ابن عباس ، وما يوجب الزكاة ؟ قال : مائتان فصاعدا . قال : فما يوجب الحج ؟ قال : الزاد والراحلة . قرأ أبو عمرو ، فأصدق وأكون بالواو وفتح النون ، والباقون وَأَكُنْ بحذف الواو بالجزم . فمن قرأ وأكون ، فإنه عطفه على موضع فَأَصَّدَّقَ ، لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن ، ولم يعطفه على اللفظ . قال أبو عبيدة : قرأت في مصحف عثمان هكذا بغير واو . ثم قال : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها يعني : إذ جاء وقتها . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر ، فيجازيكم . قرأ عاصم في رواية أبي بكر يعلمون بالياء على معنى الخبر عنهم ، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة واللّه أعلم .