أبو الليث السمرقندي

416

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يعني : لا يتناجى ثلاثة فيما بينهم ، ولا يتكلمون فيما بينهم بكلام الشر إلا هو رابعهم ، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم . وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ يعني : كان هو سادسهم ، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم . وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يعني : عالم بهم وبأحوالهم أَيْنَ ما كانُوا في الأرض . ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يعني : يخبرهم بما عملوا يوم القيامة من خير أو شر . وذلك أن نفرا كانوا يتناجون عند الكعبة قال بعضهم لبعض : لا ترفعوا أصواتكم حتى لا يسمع رب محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ويقال إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين ، فامتنعوا من ذلك ثم عادوا إلى النجوى . يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى يعني : عن قول السر فيما بينهم ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ يعني : بالكذب وَالْعُدْوانِ يعني : بالجور والظلم ، وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني : خلاف أمر اللّه وأمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . قرأ حمزة وينتجون ، والباقون وَيَتَناجَوْنَ وهما لغتان ، يقال : تناجى القوم وانتجوا . ثم قال : وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني : إذا جاءك اليهود حيوك بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا دخلوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : السام عليكم . فيقول : وعليكم . فقالت عائشة - رضي اللّه عنها - وعليكم السام ، لعنكم اللّه وغضب عليكم . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « مهلا يا عائشة ، عليك بالرّفق . وإيّاك والعنف والفحش » . قالت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال : « أو لم تسمعي ما رددت عليهم ؟ فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ » . فقالت اليهود فيما بينهم : لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كما يقول ، لا ستجيب دعاؤه علينا حيث قال : عليكم ، فنزل وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني : سلموا عليك بما لم يحيّك به اللّه يعني : بما لم يأمرك به اللّه أن تحيي به ، ويقال : بما لم يسلم عليك به اللّه . وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ يعني : فيما بينهم . لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يعني : هلا يعذبنا اللّه بِما نَقُولُ لنبيه ، يقول اللّه تعالى : حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يعني : مصيرهم إلى جهنم ، يَصْلَوْنَها يعني : يدخلونها ، فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ما صاروا إليه . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ قال مقاتل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا - باللسان دون القلب - إِذا تَناجَيْتُمْ فيما بينكم ، فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ؛ وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا بعث سرية ، كان المنافقون يتناجون فيما بينهم ليحزنوا المؤمنين . وهذا الخطاب للمخلصين في قول بعضهم ، لأن اللّه تعالى أمرهم أن لا يتناجوا بالإثم والعدوان ، كفعل المنافقين يعني : بالعداوة والظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني : خلاف أمر الرسول أي : لا تخالفوا أمره وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني : بالذي أمركم اللّه تعالى به ، بالطاعة والتقى يعني : ترك المعصية .