أبو الليث السمرقندي
35
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ يعني : لا تشكرون رب هذه النعم على حسن خلقكم ، فتوحّدوه . فلا تستعملوا سمعكم وأفئدتكم إلا في طاعتي . ويقال : ما هاهنا صلة . فكأنه يقول : تشكرونه قليلا . ويقال : ما بمعنى : الذي . فكأنه قال : فقليل الذي تشكرون . وقد يكون الكلام بعضه بلفظ المغايبة . ثم قال : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ بلفظ المخاطب ، فكما قال : هاهنا ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ بلفظ المغايبة . ثم قال : وَجَعَلَ لَكُمُ بلفظ المخاطبة . ثم قال عز وجل : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ يعني : هلكنا وصرنا ترابا أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني : أنبعث بعد الموت . وأصله ضلّ الماء في اللبن إذا غاب وهلك . وروي عن الحسن البصري رحمه اللّه أنه قرأ أإذا صللنا بالصاد ، وتفسيره النتن . يقال : صل اللحم إذا أنتن . وقراءة العامة بالضاد المعجمة أي : هلكنا . وقرأ ابن عامر : وقالوا إذا ضللنا إذ بغير استفهام أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ على وجه الاستفهام . قال : لأنهم كانوا يقرون بالموت ويشاهدونه . وإنما أنكروا البعث . ويكون الاستفهام في البعث دون الموت . ثم قال عز وجل : بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ يعني : بالبعث جاحدون فلا يؤمنون به . قوله عز وجل : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 11 إلى 14 ] قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 ) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ يعني : يقبض أرواحكم مَلَكُ الْمَوْتِ واسمه عزرائيل . وروي في الخبر أن له وجوها أربعة . فوجه من نار يقبض به أرواح الكفار ، ووجه من ظلمة يقبض به أرواح المنافقين ، ووجه من رحمة يقبض به أرواح المؤمنين ، ووجه من نور يقبض به أرواح الأنبياء والصديقين - عليهم السلام - والدنيا بين يديه كالكف ، وله أعوان من ملائكة الرّحمة ، وملائكة العذاب . فإذا قبض روح المؤمن دفعها إلى ملائكة الرحمة ، وإذا قبض روح الكافر دفعها إلى ملائكة العذاب .