أبو الليث السمرقندي

348

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

للنبي صلّى اللّه عليه وسلم أَ تَواصَوْا بِهِ يعني : توافقوا ، وتواطؤوا فيما بينهم . وأوصى الأول الآخر أن يقولوا ذلك . ويقال : توافقوا ، وتواطؤوا به كل قوم ، وجعلوا كلمتهم واحدة أن يقولوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . قال اللّه عز وجل : بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني : عاتين في معصية اللّه تعالى . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 54 إلى 60 ] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 ) ثم قال : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يعني : فأعرض عنهم يا محمد ، بعد ما بلغت الرسالة ، وأعذرت ، فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ يعني : لا تلام على ذلك ، لأنك قد فعلت ما عليك وَذَكِّرْ يعني : عظ أصحابك بالقرآن فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ يعني : المصدقين تنفعهم العظة . ويقال : فعظ أهل مكة ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين . يعني : من قدر لهم الإيمان . ثم قال عز وجل : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني : ما خلقتهم ، إلا أمرتهم بالعبادة ، فلو أنهم خلقوا للعبادة لما عصوا طرفة عين . وقال مجاهد : يعني : ما خلقتهم إلا لآمرهم ، وأنهاهم . ويقال : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني : إلا ليوحدون ، وهم المؤمنون ، وهم خلقوا للتوحيد والعبادة ، وخلق بعضهم لجهنم ، كما قال : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] فقد خلق كل صنف للأمر ، والنهي الذي يصلح له . ثم قال : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ يعني : ما خلقتهم ، لأن يرزقوا أنفسهم وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ يعني : لا أكلفهم أن يطعموا أحدا من خلقي . وأصل هذا أن الخلق عباد اللّه ، وعياله . فمن أطعم عيال رجل ورزقهم ، فقد رزقه إذا كان رزقهم عليه . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ يعني : الرَّزَّاقُ لجميع خلقه ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ يعني : ذُو الْقُوَّةِ على أعدائه ، الشديد العقوبة لهم ، والمتين في اللغة : الشديد القوي قرأ الأعمش : ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ بكسر النون ، جعله من نعت القوة . وقراءة العامة بالضم ، ومعناه : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ وهو ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ . قوله عز وجل : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني : أشركوا وهم مشركو مكة ذَنُوباً يعني :