أبو الليث السمرقندي
292
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
لم نمكن لكم ، ولم نعطكم يا أهل مكة . وقال القتبي : إن الخفيفة قد تزاد في الكلام ، كقول الشاعر : ما إن رأيت ولا سمعت به ، يعني : ما رأيت ولا سمعت به ، يعني : ما لم نمكن لكم ومعنى الآية وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وقال الزجاج : إن هاهنا مكان ما ، يعني : فيما مكناكم فيه . ويقال معناه : ولقد مكناهم في الذي مكناكم فيه . وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً يعني : جعلنا لهم سمعا ليسمعوا المواعظ ، وأبصارا لينظروا في الدلائل ، وأفئدة ليتفكروا في خلق اللّه تعالى . فَما أَغْنى عَنْهُمْ يعني : لم ينفعهم من العذاب سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذ لم يسمعوا الهدى ، ولم ينظروا في الدلائل ، ولم يتفكروا في خلقه إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني : بدلائله وَحاقَ بِهِمْ يعني : نزل بهم من العذاب ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني : العذاب الذي كانوا يجحدون به ، ويستهزئون . قوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى يعني : أهلكنا قبلكم يا أهل مكة بالعذاب ، ما حولكم من القرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ أي : بينا لهم الدلائل ، والحجج ، والعلامات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي : يرجعون عن كفرهم ، قبل أن يهلكوا . قوله تعالى : فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ يعني : فهلا نصرهم . يعني : كيف لم يمنعهم من العذاب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً يعني : عبدوا من دون اللّه ، ما يتقربون بها إلى اللّه آلِهَةً يعني : أصناما ، كما قال في آية أخرى ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ يعني : الآلهة لم تنفعهم شيئا . ويقال : اشتغلوا بأنفسهم . ويقال : بطلت عنهم . وَذلِكَ إِفْكُهُمْ يعني : كذبهم وَما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني : يختلفون . وذكر أبو عبيدة بإسناده ، عن عبد اللّه بن عباس ، أنه قرأ أفكهم بنصب الألف والفاء والكاف . يعني : ذلك الفعل أضلهم ، وأهلكهم وصرفهم عن الحق ، وقراءة العامة بضده . وذلك إفكهم يعني : ذلك الفعل ، وهو عبادتهم . وقولهم : وكذبهم ويقال : وذلك إفكهم اليوم ، كما كان إفك من كان قبلهم . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 29 إلى 35 ] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( 29 ) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( 30 ) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 32 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ( 35 )