أبو الليث السمرقندي
265
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ يعني : جاءكم جبريل في الدنيا ، بالقرآن والتوحيد وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ يعني : جاحدون . وهو قوله تعالى : أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً قال مقاتل : وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة ، ودخل إبليس عليهم ، وقد ذكرناه في سورة الأنفال . فنزل أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ يعني : أجمعوا أمرهم بالشر على النبي صلّى اللّه عليه وسلم فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي : مجمعون أمرنا على ما يكرهون . وقال الكلبي : وذلك أن ثلاثة نفر ، اجتمعوا وقالوا : إنه يقول : بأن ربي يعلم السر . أترى أنه يعلم ما نقول بيننا ؟ فنزل أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً يعني : أقاموا على المعصية فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي : معذبون عليها . قال القتبي : أي : أحكموه ، والمبرم : المفتول على طاقين . قوله تعالى : أَمْ يَحْسَبُونَ يعني : بل يظنون . ويقال : أيظنون ، والميم صلة أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به التوبيخ ، ومعناه إن اللّه تعالى يعلم سرهم ونجواهم . قال ابن عباس : الذين يتناجون خلف الكعبة ، يعني : الذين يقولون : إن اللّه لا يسمع مقالتنا . قال اللّه تعالى : بَلى يعني : نسمع ذلك وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ مقالتهم . قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ يعني : الموحدين من أهل مكة . قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية ، وقرئت عليهم فقال النضر بن الحارث : ألا ترونه صدقني . فقال له الوليد : ما صدقك ، ولكنه يقول : ما كان للرحمن ولد . يعني : إنّ إن بمعنى ما قال : فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ يعني : الموحدين من أهل مكة . وقال الكلبي : أنا أول الآنفين أن للّه ولدا . وقال القتبي : إن كان هذا في زعمكم ، فأنا أول الموحدين ، لأنكم تزعمون أن له ولدا ، فإنّا أوّل الآنفين من ذلك ، فلم توحدوه ومن وحد اللّه ، فقد عبده ، ومن جعل له ولدا ، فليس من العابدين كقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] أي : ليوحدون ثم نزه نفسه فقال : [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 82 إلى 89 ] سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 82 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 83 ) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 84 ) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 85 ) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 86 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 )