أبو الليث السمرقندي
261
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
يغضب ، فقال وهب : وما لي لا أغضب ، وقد غضب الذي خلق الأحلام ، إن اللّه تعالى يقول فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ يعني : أغضبونا . ويقال : فلما آسفونا ، يعني : وجب عليهم عذابنا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ يعني : أهلكناهم فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ يعني : لم نبق منهم أحدا . قوله تعالى : فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً قال مجاهد : يعني : كفار قوم فرعون ، سلفا لكفار مكة أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وقال قتادة : جعلناهم سلفا إلى النار . قرأ حمزة والكسائي ( سلفا ) بالضم ، وقرأ الباقون ( سلفا ) بنصب السين واللام ، فمن قرأ بالنصب فمعناه : جعلناهم سلفا متقدمين ، ليتعظ بهم الآخرون . ومن قرأ بالضم ، فهو جمع سليف ، أي : جمع قد مضى . ويقال : سلفا واحدها سلفة من الناس ، أي : قطعة . قوله : وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ يعني : عبرة لمن بعدهم . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 57 إلى 62 ] وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 ) قوله تعالى : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا يعني : وصف ابن مريم شبها إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ يعني : يعرضون عن ذكره . ويقال : لما قالت النصارى إن عيسى ابن اللّه إذا قومك منه يصدون . قرأ ابن عامر ، والكسائي ونافع ( يصدّون ) بضم الصاد . وقرأ الباقون ( يصدّون ) بالكسر فمن قرأ بالضم فمعناه يعرضون ، ومن قرأ بالكسر فمعناه يضجون ، ويرفعون أصواتهم تعجبا ، وذلك أنهم قالوا : لما جاز أن يكون عيسى ابن اللّه ، جاز أن تكون الملائكة بناته ، فعارضوه بذلك ، يعني : أهل مكة ، ورفعوا أصواتهم بذلك . ويقال : إن عبد اللّه بن الزبعرى قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : ما ذكرنا في سورة الأنبياء ، ففرح المشركون بذلك ، ورفعوا أصواتهم تعجبا من قوله آلهتنا خير . ثم قال تعالى : وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعني : أم عيسى فإذا جاز أن يكون هو ولدا ، جاز أن تكون الأصنام والملائكة كذلك . ويقال : فإذا جاز أن يكون هو في النار ، جاز أن تكون معه الأصنام في النار . قوله : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا يعني : ما عارضوك بهذه المعارضة ، إلا جدلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ يعني : يجادلونك شديد المجادلة بالباطل .