أبو الليث السمرقندي
205
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله : وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزبيل يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ يعني : أخاف عليكم من تكذيبكم مثل عذاب الأمم الخالية ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ أي مثل عذاب قوم نوح ، وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يعني : لا يعذبهم بغير ذنب ، وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ وهو من ندّ يند ، وهو من تنادى ، يتنادى ، تناديا . وروى أبو صالح ، عن ابن عباس أنه قرأ : يَوْمَ التَّنادِ بتشديد الدال . وقال : تندون كما تند الإبل ، وهذا موافق لما بعده ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وكقوله : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) [ عبس : 34 ، 35 ] . وقرأ الحسن يوم التّنادي بالياء ، وهو من النداء . يوم ينادى كل قوم بأعمالهم . وينادي المنادي من مكان بعيد . وينادي أهل النار أهل الجنة . وينادي أهل الجنة أهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [ الأعراف : 44 ] وقراءة العامة . التناد بالتخفيف بغير ياء ، وأصله الياء ، فحذف الياء ، لأن الكسرة تدل عليه ، وقوله : يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي : هاربين . قال الكلبي : هاربين ، إذا انطلق بهم إلى النار ، فعاينوها ، هربوا . فيقال لهم : ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي : ليس لكم من عذاب اللّه من مانع . وقال مقاتل : يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي : ذاهبين بعد الحساب إلى النار ، كقوله : فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي : ذاهبين ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعني : من مانع من عذابه . وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى ، فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني : من مرشد ، وموفق . وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ هذا قول حزبيل أيضا لقوم فرعون قال : وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ ويقال : يعني : به أهل مصر ، وهم الذين قبل فرعون ، لأن القرون الذين كانوا في زمن فرعون ، لم يروا يوسف ، وهذا كما قال تعالى : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [ البقرة : 91 ] وإنما أراد به آباءهم بِالْبَيِّناتِ أي : بتعبير الرؤيا . وروي عن وهب بن منبه : قال فرعون : موسى هو الذي كان في زمن يوسف ، وعاش إلى وقت موسى . وهذا خلاف قول جميع المفسرين . فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ من تصديق الرؤيا ، وبما أخبركم ، حَتَّى إِذا هَلَكَ يعني : مات ، قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا . يقول اللّه تعالى : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ يعني : من هو مشرك ، شاك في توحيد اللّه . ثم وصفهم فقال : الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي : بغير حجة أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أي : عظم بغضا لهم من اللّه ، وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني : عند المؤمنين كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ أي : يختم اللّه بالكفر ، عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يعني : متكبر عن عبادة اللّه تعالى . قرأ أبو عمرو : قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بالتنوين . جعل قوله متكبر نعتا للقلب .