أبو الليث السمرقندي

193

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي : حفيظ . ويقال : كفيل بأرزاقهم ، لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني : بيده مفاتيح السماوات والأرض . ويقال : خزائن السماوات والأرض ، وهو المطر ، والنبات . وقال القتبي : المقاليد : المفاتيح . يعني : مفاتيحها ، وخزائنها ، وواحدها إقليد . ويقال : إنها فارسية ، معربة ، إكليد . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني : بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وبالقرآن ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني : اختاروا العقوبة على الثواب ، قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي قرأ ابن عامر : تأمرونني بنونين ، وقرأ نافع : تَأْمُرُونِّي بنون واحدة ، والتخفيف . وقرأ الباقون : بنون واحدة ، والتشديد ، والأصل : تأمرونني بنونين ، كما روي عن ابن عامر ، إلا أنه أدغم إحدى النونين في الأخرى ، وشدد ، وتركها نافع على التخفيف . أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ يعني : أيها المشركون تأمروني أن أعبد غير اللّه وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ يعني : الأنبياء بالتوحيد ، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ أي : ثوابك ، وإن كنت كريما عليّ . فلو أشركت باللّه ، ليحبطنّ عملك وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ في الآخرة . فكيف لو شرك غيرك ، فاللّه تعالى علم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يشرك باللّه ، ولكنه أراد تنبيها لأمته ، أنّ من أشرك باللّه ، حبط عمله ، وإن كان كريما على اللّه . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ أي : استقم على عبادة اللّه ، وتوحيده . وقال مقاتل : بل اللّه فاعبد ، أي : فوحد اللّه تعالى . وقال الكلبي : يعني : أطع اللّه تعالى ، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على ما أنعم اللّه عليك من النبوة ، والإسلام ، والرسالة . ويقال : هذا الخطاب لجميع المؤمنين . أمرهم بأن يشكروا اللّه تعالى على ما أنعم عليهم ، وأكرمهم بمعرفته ، ووفقهم لدينه ، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي : ما عظموا اللّه حق عظمته ، ولا وصفوه حق صفته ، ولا عرفوا اللّه حق معرفته . وذلك أن اليهود والمشركين ، وصفوا اللّه تعالى بما لا يليق بصفاته ، فنزل : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وفيه تنبيه للمؤمنين ، لكيلا يقولوا مثل مقالتهم ، ويعظموا اللّه حق عظمته ، ويصفوه حق صفته ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] . ثم قال : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي : في قدرته ، وملكه ، وسلطانه ، لا سلطان لأحد عليها ، وهذا كقوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ الفاتحة : 4 ] . وقال القتبي : في قبضته أي : في ملكه ، نحو قولك للرجل : هذا في يدك ، وقبضتك . أي : في ملكك .