أبو الليث السمرقندي

194

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ أي : بقدرته . ويقال : في الآية تقديم . معناه : وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يوم القيامة . أي : في يوم القيامة . ويقال : بِيَمِينِهِ يعني : عن يمين العرش . وقال القتبي : بِيَمِينِهِ أي : بقدرته نحو قوله : ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ * [ الأحزاب : 50 ] يعني : ما كانت لهم عليه قدرة . وليس الملك لليمين دون الشمال . ويقال : اليمين هاهنا الحلف ، لأنه حلف بعزته ، وجلاله ، ليطوينّ السماوات والأرض . ثم نزّه نفسه ، فقال تعالى : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي : تنزيها للّه تعالى . يعني : ارتفع ، وتعظم عما يشركون . يعني : عما يصفون له من الشريك ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنّه سئل عن الصّور فقال : « هو القرن وإنّ عظم دائرته مثل ما بين السّماء والأرض ، فينفخ نفخة ، فيفزع الخلق ، ثمّ ينفخ نفخة أخرى ، فيموت أهل السّموات والأرض ، فإذا كان وقت النفخة الثّالثة ، تجمّعت الأرواح كلّها في الصّور ، ثمّ ينفخ النفخة الثالثة ، فتخرج الأرواح كلّها كالنّحل وكالزّنابير ، وتأتي كلّ روح إلى جسدها » ، فذلك قوله تعالى : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني : يموت من في السماوات ، ومن في الأرض ، إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني : جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت . ويقال : أرواح الشهداء . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : استثنى اللّه تعالى الشهداء حول العرش متقلدين بسيوفهم » . وقال بعضهم : النفخة نفختان . وروى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ينفخ في الصّور ثلاث نفخات : الأولى نفخة الفزع ؛ والثّانية نفخة الصّعق ، والثّالثة نفخة القيام لربّ العالمين » ، وهو قوله : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ أي : ينظرون ماذا يأمرهم . ويقال : ينظرون إلى السماء كيف غيرت ، وينظرون إلى الأرض كيف بدلت ، وينظرون إلى الداعي كيف يدعوهم إلى الحساب ، وينظرون فيما عملوا في الدنيا ، وينظرون إلى الآباء والأمهات كيف ذهبت شفقتهم عنهم ، واشتغلوا بأنفسهم ، وينظرون إلى خصمائهم ماذا يفعلون بهم . وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ يعني : أضاءت بِنُورِ رَبِّها أي : بعدل ربها . ويقال : وأشرقت وجوه من على الأرض بمعرفة ربها ، وأظلم وجوه من على الأرض بنكرة ربها . وقال بعضهم : هذا من المكتوم الذي لا يفسر . وَوُضِعَ الْكِتابُ يعني : ووضع الحساب . ويقال : ووضع الكتاب في أيدي الخلق ، في أيمانهم ، وشمائلهم وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي : بين الخلق بالعدل ، بين الظالم والمظلوم ، وبين الرسل ، وقومهم ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي : لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا . وَوُفِّيَتْ أي : وفرت ، كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي : جزاء ما عملت من خير ، أو شر ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ، لأنه قد سبق ذكر قوله : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ ثم أخبر أنه لم يدع الشهداء ليشهدوا بما يعلموا بل هو أعلم بما يفعلون ، وإنما يدعو الشهداء لتأكيد الحجة عليهم .