أبو الليث السمرقندي

185

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

للراغب ، والزاهد . فالراغب شغلته أمور مختلفة ، فلا يتفرغ لعبادة ربه . فإذا كان في العبادة ، فقلبه مشغول بها ، والزاهد قد يتفرغ عن جميع أشغال الدنيا ، فهو يعبد ربه خوفا وطمعا ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا يعني : عنده في المنزلة يوم القيامة . الْحَمْدُ لِلَّهِ قال مقاتل : الْحَمْدُ لِلَّهِ حين خصهم . ويقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ على تفضيل من اختاره ، على من اشتغل بما دونه . ويقال : يعني : قولوا الحمد للّه ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ عبادة رب واحد ، خير من عبادة أرباب شتى . ويقال : لا يَعْلَمُونَ أنهما لا يستويان . ويقال : لا يَعْلَمُونَ توحيد ربهم . إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ذلك أن كفار قريش قالوا : نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [ الطور : 30 ] ، يعني : ننتظر موت محمد - عليه السلام - فنزل : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ يعني : أنت ستموت ، وهم سيموتون . ويقال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ يعني : إنك لميت لا محالة ، وإنهم لميتون لا محالة ، والشيء إذا قرب من الشيء سمي باسمه . فالخلق كلهم إذا كانوا بقرب من الموت ، فكل واحد منهم يموت لا محالة ، فسماهم ميتين . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ أي : تتكلمون بحججكم . الكافر مع المؤمن ، والظالم مع المظلوم . فإن قيل : قد قال في آية أخرى : لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ ق : 28 ] قيل له : إن في يوم القيامة ساعات كثيرة ، وأحوالها مختلفة ، مرة يختصمون ، ومرة لا يختصمون . كما أنه قال : فهم لا يتساءلون ، وقال في آية أخرى : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 27 ) * [ الصافات : 27 ] يعني : في حال يتساءلون ، وفي حال لا يتساءلون ، وهذا كما قال في موضع آخر : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) [ الرحمن : 39 ] وقال في آية أخرى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) [ الحجر : 92 ] وكما قال في آية أخرى : لا يتكلمون ، وفي آية أخرى أنهم يتكلمون ، ونحو هذا كثير في القرآن . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تزال الخصومة بين النّاس يوم القيامة ، حتى تتخاصم الرّوح والجسد ، فيقول الجسد : إنّما كنت بمنزلة جزع ملقى ، لا أستطيع شيئا . وتقول الرّوح : إنّما كنت ريحا ، لا أستطيع أن أعمل شيئا . فضرب لهما مثل الأعمى والمقعد ، فحمل الأعمى المقعد ، فيدلّه المقعد ببصره ، ويحمله الأعمى برجليه » . وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أنس قال : سألت أبا العالية عن قوله : لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ثم قال : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فكيف هذا ؟ قال : أما قوله : لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ فهو لأهل الشرك ، وأما قوله : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فهو لأهل القبلة ، يختصمون في مظالم ما بينهم .