أبو الليث السمرقندي

168

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

لا يجوز من الحكيم أن يسلط شيطانا من الشياطين على أحكام المسلمين ، ويجلسه على كرسي نبي من الأنبياء - عليهم السلام - ولكن تأويل الآية واللّه أعلم : أن سليمان كان له ابن ، فجاء ملك الموت يوما زائرا لسليمان ، فرآه ابنه فخافه ، وتغيّر لونه ، ومرض من هيبته ، فأمر سليمان - عليه السلام - الريح بأن تحمل ابنه فوق السحاب ليزول ذلك عنه ، فلما رفعته الريح فوق السحاب ، ودنا أجله ، فقبض ابنه ، وألقي على كرسيه فذلك قوله : وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يعني : ابنه الميت . قال : والدليل على ذلك أن الجسد في اللغة هو الميت الذي لا يأكل الطعام ، والشراب ، كالميت ونحوه . وذكر أن سليمان جزع على ابنه ، إذ لم يكن له إلا ابن واحد ، فدخل عليه ملكان ، فقال أحدهما : إن هذا مشى في زرعي فأفسده . فقال له سليمان : لم مشيت في زرعه ؟ فقال : لأن هذا الرجل زرع في طريق الناس ، ولم أجد مسلكا غير ذلك . فقال سليمان للآخر : لم زرعت في طريق الناس ، أما علمت أن الناس لا بد لهم من طريق يمشون فيه ؟ فقال لسليمان : صدقت . لم ولدت على طريق الموت أما علمت أن ممر الخلق على الموت ؟ ثم غابا عنه . فاستغفر سليمان فذلك قوله : ثُمَّ أَنابَ يعني : تاب ورجع إلى طاعة اللّه عز وجل . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 35 إلى 40 ] قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 ) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ( 37 ) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 38 ) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 39 ) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 40 ) قوله عز وجل : قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً أي : أعطني ملكا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قال سعيد بن جبير : أعطني ملكا لا تسلبه كما سلبت في المرة الأولى . ويقال : إنما تمنى ملكا لا يكون لأحد من بعده ، حتى يكون ذلك معجزة له ، وعلامة لنبوته . إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ يعني : المعطي الملك . قوله عز وجل : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ وكان من قبل ذلك لم تسخر له الريح ، والشياطين . فلما دعا بذلك ، سخرت له الريح والشياطين . فقال : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ يعني : بأمر سليمان . ويقال : بأمر اللّه تعالى رُخاءً يعني : لينة مطيعة حَيْثُ أَصابَ يعني : حيث أراد من الأرض ، والنواحي أَصابَ يعني : أراد . وقال الأصمعي : العرب تقول : أصاب الصواب ، فأخطأ الجواب . يعني : أراد الصواب ، فأخطأ الجواب . وَالشَّياطِينَ يعني : سخرنا له كل شيء ، وسخرنا له الشياطين أيضا كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ