أبو الليث السمرقندي
15
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني : قحط المطر ، ونقص الثمار للناس والدواب . يعني : نقص النبات في البر للدواب والوحوش ؛ وفي البحر يعني : القرى والأرضين ينقصان الثمار والزرع . سمى القرى والمدائن بحرا لما يجري فيها من الأنهار . ويقال : البحر نفسه لأنه إذا لم يكن مطر ، فإنه لا يخرج منه اللؤلؤ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ أي : بما عملوا من المعاصي . ويقال : من أذنب ذنبا فجميع الخلق من الإنس والجن ، والدواب والوحوش ، والطير والذر ، خصماؤه يوم القيامة ، لأنه يمنع المطر بالمعصية ، فيضرّ بأهل البر والبحر . وروي عن ثقيف الزاهد أنه قال : من أكل الحرام ، فقد خان جميع الناس ، حيث لا يستجاب دعاؤه . ويقال : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني : ظهرت المعاصي في البر والبحر بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ يعني : بكسب الناس . فأول فساد البر كان من قابيل حيث قتل أخاه هابيل ، وأول فساد البحر كان من جلندا حيث كان يأخذ كل سفينة غصبا . وقال عطية العوفي : ظهور الفساد قحوط المطر . قيل له : هذا فساد البر فما فساد البحر ؟ قال : إذا قلّ المطر قلّ الغوص . وقال قتادة ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني : امتلأت الضلالة والظلم في الأرض . وروي عن أبي العالية أنه قال البر : الأعضاء والبحر : القلوب يعني : ظهر الفساد في الناس في الأعضاء وفي القلوب . ثم قال : لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا يعني : يعذبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا ، ويدّخر البعض في الآخرة . والذوق إنما هو كناية عن التعذيب . فكأنه يقول : يعذبهم بالجوع والقحط في الدنيا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي : لكي يرجعوا عن الكفر . قرأ ابن كثير : لِنُذِيقَهُمْ بالنون أي : لنذيقهم نحن . وقرأ الباقون : بالياء يعني : ليذيقهم اللّه عز وجل . ثمّ خوّفهم فقال عز وجل : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي : سافروا فيها فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ يعني : كيف كان آخر أمر من كان قبلهم كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ فيعتبروا بذلك . والنظر على وجهين . يقال : نظر إليه إذا نظر بعينه ، ونظر فيه إذا تفكر بقلبه . وهاهنا قال : فَانْظُرُوا ولم يقل فيه ، ولا إليه . فهو على الأمرين جميعا . ثم قال عز وجل : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ يعني : أخلص دينك الإسلام القيم . يعني : المستقيم . ويقال : أقبل بوجهك إليه . ويقال : أثبت عليه . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يعني : يوم القيامة لا يقدر أحد أن يرد ذلك اليوم من اللّه . ويقال : يعني : ذلك اليوم من اللّه . ويقال : لا خلف لذلك الوعد من اللّه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يعني : يتصدعون . فأدغم التاء في الصاد وشدد . يعني : يتفرقون فريق في الجنة ، وفريق في السعير . ثم قال عز وجل : مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ يعني : جزاء كفره وعقوبته وَمَنْ عَمِلَ