الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
خاتمة 70
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
في التّزكية والجرح على الظنّ فالأظهر دلالة قولهم ثقة في الحديث أو في الرّواية على كون المشهود له اماميا عادلا لكفاية شهادة مثل الوحيد ره بكونه المتعارف المشهور في إفادة الظنّ بالعدالة والأماميّة مضافا إلى شهادة الجمع بين قولهم ثقة وبين قولهم ثقة في الحديث في حقّ اشخاص باتّحاد المراد بهما وقد مرّ دلالة الأوّل على العدالة والأماميّة فكذا الثّانى وامّا الضّبط فيكفي في احرازه الأصل والغلبة وح فلا ينبغي التأمّل في دلالة قولهم ثقة في الحديث في حقّ شخص على كونه عدلا اماميا وكون حديثه من الصّحيح بالأصطلاح المتأخّر بل ادّعى بعض المحقّقين كون قولهم ثقة في الحديث أبلغ من مطلق ثقة لكونه نصّا في ضبطه المعتبر انضمامه مع العدالة في قبول حديثه بخلاف ثقة فانّه ظاهر في ذلك لا يقال الجار لا يصّح تعلّقه بلفظ ثقة بل هو خبر لمبتدء محذوف فالتّقدير فلان ثقة ووثاقته في الحديث فينساق منه الأنحصار لأنّا نقول انّ كلمة ثقة مصدر كعدة فالجار متعلّق به والتقدير خلاف الظّاهر وإذا كان موثوقا به في الحديث فبغيره أولى نظير يا عدّتى في شدّتى فلا وجه ح لقول بعض من عاصرناه من المشايخ انّ في استفادة العدالة بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ من ذلك لا يخلو من نوع خفاء لظهور التّقييد في اختصاص وثاقته بالرّواية ولعلّ المستفاد منه كونه متحرّزا عن الكذب وهو الّذى نقل عن الشّيخ ره كفايته في حجّية الخبر بل وزيادة اهتمامه في الرّواية باخذها عمن يوثق به وغير ذلك ممّا مرجعه الوثوق بالرّواية انتهى وسبقه في انكار الدّلالة على العدالة غيره على ما حكى الوحيد قدّه في التّعليقة بقوله وربّما قيل بالفرق بين الثّقة في الحديث والثّقة وليس ببالي القائل ويمكن ان يقال بعد ملاحظة اشتراطهم العدالة انّ العدالة المستفادة من الأوّل هي بالمعنى الأعم وقد أشرنا وسنشير أيضا إلى انّ الّتى وقع الأتّفاق على اشتراطها هي بالمعنى الأعم ووجه الأستفادة اشعار العبارة وكثير من التراجم مثل ترجمة أحمد بن بشير وأحمد بن الحسن وأبيه الحسن بن علي بن فضّال والحسين بن أبي سعيد والحسين بن أحمد بن المغيرة وعلىّ بن الحسن الطّاطرى وعمّار بن موسى وغير ذلك الّا « 1 » انّ المحقّق ره نقل عن الشّيخ ره انّه قال يكفى في الرّاوى ان يكون ثقة متحرّزا عن الكذب في الرّواية وان كان فاسقا بجوارحه فتأمّل انتهى واعترض عليه بانّ اشعار العبارة اعني قولهم ثقة في الحديث انما هو في اختصاص الوثوق بالرّواية لا اعميّة العدالة بحيث يجامع فساد العقيدة وما وجدنا في شئ من التراجم المزبورة اشعارا بما ذكره فلا ينبغي التأمّل في استفادة الأماميّة منه على حدّ استفادتها من اطلاق الثّقة ما لم يصرّح بالخلاف مضافا إلى استفادتها من جمعهم بين ثقة على الإطلاق وبين ثقة في الحديث في ترجمة شخص واحد من واحد أو متعدّد الكاشف عن اتّحاد المراد بهما بل ذلك يكشف عن الدّلالة على العدالة أيضا على نحو دلالة لفظة ثقة إذا أطلقت واحتمل بعضهم كون تقييد الثّقة بالحديث للإشارة إلى مأخذ التّوثيق لأنّه يمكن عدم تمكّن المعدّل على الوقوف على جميع أحوال الرّجل فيراه مراقبا على العبادات محترزا من الكذب والغيبة وساير المحرّمات ولا يدرى انّه يحترز من الباقي أم لا لكنّه يطمئن بعدالته بسبب مراقبة أحاديثه فيقيد تعديله بان منشأه الوثوق بأحاديثه بالمزاولة فتدبّر ومنها قولهم صحيح الحديث لا ينبغي التأمّل في افادته صحّة روايته بالأصطلاح المتأخّر انكانت العبارة في كلام أهل هذا الاصطلاح ضرورة انّ كلام كل ذي اصطلاح يحمل على مصطلحه عند عدم القرينة على خلافه كما أوضحناه في محلّه ومن البيّن عدم الفرق بين تصريح أهل هذا الاصطلاح بانّه عدل امامّى ضابط وبين تصريحهم بانّه صحيح الحديث وامّا ان كانت العبارة في كلمات القدماء فلا ريب ولا شبهة في إفادتها مدح الرّاوى مدحا كاملا في روايته بل في نفسه أيضا وكون روايته من القوى وفي افادته كونه عدلا وجهان أظهرهما ذلك ضرورة انّ إضافة الصحّة إلى مطلق حديثه يكشف عن انّ له أوصافا تورث بنفسها الأطمينان به والإئتمان بحديثه ولا ريب في عدم الأطمينان بمطلق حديث من لم يكن عادلا واستظهر بعض من عاصرناه من الأجلّة عدم افادته العدالة في عبائر القدماء وانّه أضعف من قولهم ثقة في الحديث واستدلّ على ذلك بما حكاه غير واحد منهم الوحيد قدّه في الفوائد من انّ المراد بالصّحيح عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم عليه السّلام اعمّ من أن يكون منشاء وثوقهم كون الرّاوى من الثّقاة أو امارات اخر ومن أن يقطعوا بصدوره عنه عليه السّلام أو يظنّوا به وأقول ما نقله الوحيد وغيره في محلّه وقد مرّ منّا في تنبيهات الفصل الرّابع بيان انّ الصّحيح عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم اعّم من أن يكون منشاء وثوقهم كون الرّاوى من الثّقاة أو من امارات اخر الّا انّ ذلك لا يدلّ على مختار البعض هنا لوضوح الفرق بين اطلاق اسم الصّحيح على حديث وبين اطلاق صحيح الحديث على شخص فانّ الأوّل يجامع ما إذا كان منشاء الوثوق امارات اخر وامّا الثّانى فلا يجامع ذلك لأنّه لا يكون ممّن يوثق بصدور جميع رواياته من المعصوم الّا إذا كان عدلا اماميا ضابطا كما هو ظاهر بأدنى تامّل فالّذى يظهر لي انّ قولهم صحيح الحديث ليس بأضعف من قولهم ثقة في الحديث ان لم يكن أقوى منه بل الأظهر انّه أقوى منه ويؤيّد ما قلناه قول الشّهيد الثّانى ره في البداية ألفاظ التّعديل الدالّة عليه صريحا قول المعدّل هو عدل أو هو ثقة إلى أن قال وكذا قوله هو حجّة إلى أن قال وكذا قوله هو صحيح الحديث فانّه يقتضى كونه ثقة ضابطا ففيه زيادة تزكية انتهى ومنها قولهم حجّة ولا شبهة في افادته في حق من اطلق عليه مدحا كاملا في روايته بل نفسه وكون روايته من القوىّ بل الأظهر دلالته على كونه عدلا اماميا ضابطا لأستقرار اصطلاحهم على ذلك كما شهد به الشّهيد الثّانى ره في البداية حيث قال حجّة اى ممّن يحتّج بحديثه وفي اطلاق اسم المصدر عليه مبالغة ظاهرة في الثّناء عليه بالثقة والاحتجاج بالحديث وان كان اعّم من الصّحيح كما يتّفق بالحسن والموثق بل بالضّعيف على ما سبق تفصيله لكن الاستعمال العرفي لأهل هذا الشّأن لهذه اللّفظة يدلّ على ما هو اخصّ من ذلك وهو التعديل وزيادة نعم لو قيل يحتج بحديثه ونحوه لم يدلّ على التعديل لما ذكره بخلاف اطلاق هذه اللّفظة على نفس الرّاوى بدلالة العرف الخاصّ انتهى ومثل هذه الشّهادة بضرس قاطع كاف في اثبات المطلوب ومنها قولهم أجمعت العصابة على يصّحح ما يصحّ عنه لا شبهة في وقوع هذا الإجماع في حقّ جمع واوّل من ادّعاه فيما نعلم الشّيخ الثّقة الجليل أبو عمرو الكشي « 2 » في رجاله ثم الشّيخ ره والنّجاشى ثمّ من بعدهما من المتقدمّين والمتأخرين كابن طاووس والعلّامة وابن داود وصاحب المعالم والشّهيدين والشّيخ سليمان والسّيد الدّاماد وغيرهم حتى انّه لو صحّ وصف الإجماع المنقول بالتّواتر لصحّ ان يقال انّ هذا الإجماع قد تواتر نقله وصار أصل انعقاده في الجملة من ضروريّات الفقهاء والمحدثين وأهل الدّراية والرّجال والمراد بهذا الإجماع ليس هو المعنى اللّغوى وهو مجرّد اتّفاق الكل بل المعنى المصطلح وهو الأتّفاق الكاشف عن رأى المعصوم على أن يكون المجمع عليه هو القبول والعمل بروايات أولئك الّذين قيل في حقّهم ذلك إذ امام ذلك العصر بمرئى من أولئك العاملين باخبار هؤلاء ومسمع مع عدم ظهور انكار لهم ولا ردع بل اقرّهم على ذلك بل وامر بالرجوع إليهم والأخذ منهم وإذ قد عرفت ذلك فاعلم انّ الكلام يقع هنا في مقامين الأوّل في المراد بهذه العبارة فانّ فيه احتمالات بكل منها قائل [ فيه أربعة احتمالات ] أحدها انّ المراد بذلك تصحيح رواية من قيل في حقّه ذلك بحيث لو صحّت من اوّل السّند اليه عدّت صحيحة من غير اعتبار ملاحظة أحواله وأحوال من يروى عنه إلى المعصوم عليه السّلام ولا فرق بين العلم
--> ( 1 ) في هذا الاستثنا ما لم نفهمه فإنه غير مخالف لما قبله حتى يصبح الاستثناء ( 2 ) تطلب عبارة الكشي الناطقة بذلك من الفائدة الثامنة عشرة من مقدمة تنقيح المقال تحت عنوان الفقهاء