الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 69

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

غير المخرج من ظواهرها وللرّابع امّا على الشقّ الأوّل فحجة الأوّل وامّا على الشقّ الثّانى فهو ان لفظة ثقة ظاهرة في المعاني المزبورة فيعارضه نفى أحد تلك المعاني لأقباتها وليس النّفى والأثبات من واحد حتى يجعل النّفى نصافى عدم بعض المعاني مقدّما على ظاهر اللّفظة في ذلك المعنى بالخصوص وابقاء اللّفظة بالنّسبة إلى بقيّة المعاني على اصالة حجيّة الظّاهر فانّ كلام شخص لا يكون قرينة على المراد بكلام الأخر وفيه انّه كما التزم هذا القائل بجعل النّفى عند اتّحاد القائل قرينة على كون المثبت غير المنفى فليلتزم بتقديم نصّ النّافى فيما نفاه من المعاني على ظاهر المثبت والأخذ في غير المنفى من المعاني بظاهر المثبت السّليم عن المعارض فكانّ المثبت قال هو عدل امامىّ ضابط وقال النّافى امّا عدالته أو اماميّته أو ضبطه فلا وامّا الوصفان الأخران فلا ادرى فانّ شهادة المثبت تبقى بالنّسبة إلى ما سكت عنه النّافى سليما عن المعارض فظهر انّ اظهر الاحتمالات الأربعة هو الأوّل وعليه عمل المتأخّرين في ملاحظة أسانيد الأخبار كما لا يخفى الثاني انّه قد يورد على ما بينّاه من استقرار الاصطلاح على إرادة العدل الأمامّى الضّابط من قولهم ثقة اشكال تقريره انّهم كثيرا ما يطلقون اللّفظة في حق شخص ثم يصرّحون متّصلا به أو منفصلا وكذا يصرّح غيرهم بانّه فطحىّ أو واقفي أو عامّى فلو كان فيها دلالة على الأماميّة كان بين التّصريحين تناف وتناقض ونحن نريهم لا يرتّبون اثار التّنافى بل يبنون على الجمع بينهما الّا عند مرجّح خارجي للأوّل وبالجملة فمقتضى التّناقض التزام الترجيح مط فالتزامهم بتقديم الأخير على الأوّل وعدم التماس المرجّح يكشف عن عدم دلالة اللّفظة على الأماميّة ويمكن دفع هذا الأشكال تارة بانّ عملهم يكشف عن ارادتهم بقولهم ثقة فيما إذا عقّبوه بقولهم واقفىّ أو نحوه انّه موثق مؤتمن ضابط وأخرى بانّ استفادة الأماميّة من نفس قولهم ثقة أو مع القرينة لم تكن لدعوى صراحتها في ذلك حتى يلزم ما ذكر بل المدّعى ظهورها فيه ولا ريب في انّه يخرج عن الظّهور بالتصريح بالخلاف إذا لم يكن موهونا في نفسه أو بأمر خارج ولم يكن الظّهور معتضدا بما لا يقاومه التّصريح المذكور فانّ الجمع بين اطلاق توثيق شخص ورمى الأخر للموثق بالفطحيّة ونحوها ليس من الجمع بين المطلق والمقيّد تعبّدا أو ما يقرب منه بل للظّهور النّوعى الّذى يقدم عليه الظّهور الشخصي على البناء على اعتبار الظنّ كما هنا وفي باب الألفاظ والموثّق لعلّه لم يقف على ما ذكره المضعّف أو اكتفى بظهور رجال المضعّف أو بقرينة أخرى خارجيّة فلا نقول بمسامحته ولا تقصيره ولا خطائه مع انّه لا يوجب خطائه في أصل مدلول اللّفظ وهو العدالة المطلقة والمناقشة في ذلك بناء على القول بالملكة بانّ المعدّل ادّعى كونه عادلا في مذهبنا فإذا ظهر كذبه فالعدالة في مذهبه من اين مدفوعة بمنع ظهور كذبه بمجرّد ظهور كونه فطحيّا أو عاميا بعد امكان وجود الملكة في المشهود له غايته انّه ليس عدلا في مذهبنا وخطائه في كونه من أهل مذهبنا لا يستلزم خطام في احراز كونه ذا ملكة رادعة وبعبارة أخرى أصل المعنى المعبّر عنه بالعدالة والوثوق الموجب للرّكون إلى قول صاحبه والاعتماد عليه هو معنى عامّ لا يختصّ بدين دون دين ولا بمذهب دون مذهب فانّه عبارة عن التزام العبد بمهمّات ما في دينه ومعظمات ما في مذهبه أو عن حالة ذلك فيه وانّما الاختلاف فيما في الدّين والمذهب غايته ظهورها عند الإطلاق وموافقة المعدّل والمعدّل في المذهب في العدالة في ذلك المذهب ولذا يقيّدونها عند الاختلاف في المذهب بالعدالة في مذهبه صرفا للفظ عن الظّهور النّاشى من الإطلاق الموجب للاختصاص ببعض افراد المطلق فتدبّر جيدا الثالث انّه إذا قال غير الأمامّى انّ فلانا ثقة دلّ على انّه متحرّز عن الكذب صدوق مؤتمن بل لا يبعد دلالته على انّه عادل في مذهبه وفي دلالته على كونه اماميا عدلا في مذهبنا مبنّى على احراز التزام ذلك القائل بالأصطلاح الجاري في لفظ الثّقة فان علم ارادته الثّقة بالأصطلاح المزبور اعتبر والّا فالأظهر عدم دلالتها على كون المشهود له اماميا ولا كونه عدلا على مذهبنا ضرورة انّ حمل اللّفظ على المعنى المصطلح فرع احراز كون المتفوّه به من أهل ذلك الاصطلاح فما لم يحرز ذلك يلزم حمل اللّفظ على معناه اللّغوى وقد مرّ انّ الثّقة في اللّغة والعرف هو المؤتمن المعتمد المتحرّز عن الكذب وذلك اعّم من كونه اماميا أو عدلا على مذهبنا بل لو شهد غير الأمامّى بعدالة شخص بقوله هو عدل كان ظاهر حاله بالظّهور النّوعى ارادته العادل عنده وفي مذهبه فيلزمه موافقة مذهب المشهود له لمذهب الشاهد نعم لو احرز من الخارج التزام الشاهد بالأصطلاح الحادث في لفظي الثّقة والعدل كان لازم ديانته ووثاقته في مذهبه ارادته من لفظ الثّقة الأمامّى العدل الضّابط ولو شكّ في التزامه بالأصطلاح فالأصل العدم فظهر ممّا ذكرنا سقوط ما صدر من بعض أجلة من عاصرناه من اطلاق دلالة قول غير الأمامّى فلان ثقة على كون المشهود له اماميا بالمعنى الأخصّ عادلا بمذهبنا فلاحظ ما ذكره وتأمّل الرّابع انّه إذا قال عدل من أهل الرّجال انّ فلانا ليس بثقة فعند من ينكر استقرار الاصطلاح في لفظ الثّقة ويدّعى استفادة عدالة الرّاوى وكونه اماميا من القرائن الخارجيّة لا تفيد الشّهادة المزبورة الّا نفى تحرزّه عن الكذب وامّا عند من التزم باستقرار الاصطلاح فمفاد الشّهادة المذكورة انّه ليس فيه مجموع الصّفات الثلاث ولا يدلّ على انتفاء جميعها أو بعض منه بالخصوص فلو قام دليل على اتّصافه ببعضها لم يكن ذلك معارضا له نعم لو قام دليل على اتصافه بجميعها كان ذلك معارضا له ووجب الرّجوع إلى ما تقتضيه قاعدة التّعارض ويحتمل بعيدا عدم دلالة النفي المزبور الّا على نفى تحرّزه عن الكذب حتى على المختار من استقرار الاصطلاح لأنّ الاصطلاح المذكور انّما ثبت استقراره عند اثبات الثّقة لشخص دون نفيها عن شخص فتأمّل الخامس انّه قد يتّفق في بعض الرّواة انّه يكرّر في حقه لفظ الثّقة وذلك يدلّ على زيادة المدح كما صرّح بذلك جمع منهم ثاني الشّهيدين في البداية ولكن ربما يحكى عن جمع من أهل اللّغة منهم ابن دريد في الجمهرة انّ من جملة الأتباع قولهم ثقة نقة بالثّاء في الأوّل والنّون في الثّانى وحينئذ فاحتمل بعضهم ان يكون ما وقع فيه الجمع بين هاتين الجملتين جرى على طريق الأتّباع لا التّكرير ثم صحّف فاعتقد انّه مكرّر ويبعد هذا الاحتمال جزم جمع منهم ابن داود « 1 » في رجاله بالتّكرير ولا يضر خلّو كلام السّابقين عليه عن التعرّض لبيان المراد منه ويزداد الاحتمال بعدا بعدم تداول كلمة نقة بالنّون على السن أهل الرّجال والحديث ولا تكلّم بها أحد قطّ واستعمالها عقيب ثقة فقط لا مقتضى له ويبعد اختصاصه من بين جميع مواضع استعمالاتها بهذا الموضع مع عدم استعمالها في غيره ومنها قولهم ثقة في الحديث أو في الروّاية ولا ريب في افادته المدح التّام وكونه معتمدا ضابطا فيكون حكمه حكم الموثق وفي دلالته على كونه اماميا وجهان استظهر اوّلهما بعض من عاصرناه من الأجلّة في اوّل كلامه بل جزم بذلك في اخر كلامه حيث قال لا ينبغي التأمّل في استفادة الأماميّة منه على حدّ استفادته من اطلاق الثّقة ما لم يصرّح بالخلاف انتهى بل مقتضى ما ذكره الوحيد البهبهاني ره دلالته على عدالته أيضا فيكون حديثه من الصّحيح قال ره المتعارف المشهور انّه تعديل وتوثيق للرّاوى نفسه ولعلّ منشأه الأتّفاق على ثبوت العدالة وانّه يذكر لأجل الاعتماد على قياس ما ذكر في التوثيق وانّ الشّيخ الواحد ربّما يحكم على واحد بانّه ثقة وفي موضع اخر بانّه ثقة في الحديث مضافا إلى انّه في الموضع الأول كان ملحوظ نظره الموضع الأخر كما سيجئ في أحمد بن إبراهيم بن أحمد فتامّل انتهى وأقول حيث انّ المدار

--> ( 1 ) حيث عقد بابا في آخر الباب الأول فيمن كسبه النجاشي في حقه كلمة الثقة