الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
خاتمة 68
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
وهذا هو المراد بالعدالة بمعنى الملكة الّتى تبعث على ملازمة التّقوى واجتناب الكبائر والإصرار على الصّغائر ولذلك اتّفق الكل على اثبات العدالة بهذه الكلمة من غير شك ولا اضطراب وح فحبثما تستعمل هذه الكلمة في كتب الرّجال مطلقا من غير تعقيبها بما يكشف عن فساد المذهب تكفى في إفادتها التزكية المترتب عليها التصحيح باصطلاح المتأخّرين لشهادة جمع باستقرار اصطلاحهم على إرادة العدل الأمامّى الضّابط من قولهم ثقة وقد سمعت في تنبيهات الكلام على اشتراط الضّبط عبارة مشرق الشمسين النّاطقة بذلك وبانّ السّر في عدولهم عن قولهم عدل إلى قولهم ثقة إفادة الضّبط لأجتماع العدالة مع عدم الضّبط بخلاف قولهم ثقة إذ لا وثوق بمن يتساوى سهوه وذكره أو يغلب سهوه على ذكره فقولهم ثقة أقوى في التزكية المصحّحة للحديث من قولهم عدل لأنّ الضّبط هناك كان يحرز بالأصل والغلبة وهنا بدلالة اللّفظ بعد استقرار اصطلاحهم المذكور مع ما تقرّر في محلّه من حمل كلام كل ذي اصطلاح على مصطلحه عند عدم القرينة على الخلاف وكفى بالمحقّق البهائي ره شاهدا باستقرار الاصطلاح مضافا إلى تأيّدها بشهادة المحقق الشّيخ محمّد ره بانّه إذا قال النّجاشى ثقة ولم يتعرض لفساد المذهب فظاهره انّه عدل امامّى لأنّ ديدنه التعرض للفساد فعدمه ظاهر في عدم ظفره وهو ظاهر في عدمه لبعد وجوده مع عدم ظفره لشدّة بذل جهده وزيادة معرفته وعليه جماعة من المحقّقين انتهى وان كان قصره على النّجاشى محلّ منع فانّ الأصحاب لا يفرّقون بين صدور هذه الكلمة من النجاشي أو غيره ولقد أجاد الوحيد البهبهاني ره حيث جعل ذلك من المسلّمات في حق النّجاشى وغيره قال في التّعليقة بعد نقل عبارة الشّيخ محمّد ره ما لفظه لا يخفى انّ الرّواية المتعارفته المسلّمة المقبولة انّه إذا قال عدل امامّى النّجاشى كان أو غيره فلان ثقة انّهم يحكمون بمجرّد هذا القول بانّه عدل امامّى امّا لما ذكر أو لأنّ الظّاهر من الرّواة التشيّع والظّاهر من الشّيعة حسن العقيدة أو لأنّهم وجدوا منهم انّهم اصطلحوا ذلك في الأماميّة وانكانوا يطلقون على غيرهم مع القرينة فانّ معنى ثقة عادل أو عادل ثبت فكما انّ عادل ظاهر فيهم فكذا ثقة أو لأنّ المطلق ينصرف إلى الكامل أو لغير ذلك على سبيل منع الخلو انتهى ويؤيّد ذلك انّك تريهم يصحّحون السّند إذا كان رجاله ممّن قيل في حقّه ثقة أو عادل بدون التصريح بالضّبط أو كونه اماميا مع انّ المعروف المدّعى عليه الإجماع اعتبار كونه اماميا ضابطا في التّسمية بالصّحيح فعملهم مع بنائهم على اشتراط الضّبط أقوى شاهد على استفادة الضّبط من هذه اللّفظة فتامّل كي يظهر لك امكان استفادة الضّبط من الخارج صرفا للأصل أو للغلبة على ما مرّ وربّما جعل بعضهم قولهم ثقة مع عدم التّنبيه على فساد المذهب دالا على أمور أحدها انّه ضابط للأصل والغلبة المزبورتين مضافا إلى تصريح اللّغويّين بما يقتضى ذلك قال في المصباح المنير وثق الشّىء بالضّم وثاقه قومي وثبت فهو وثيق ثابت محكم واوثقته جعلته وثيقا ووثقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقا ائتمنته وهو وهي وهم ثقة لأنّه مصدر وقد يجمع في الذكور والإناث فيقال ثقات كما قيل عدات انتهى ومثله في كلمات غيره من أهل اللّغة ولا اعتماد مع عدم الضّبط وإذا ثبت ذلك لغة فكذا عرفا لأصالة عدم النّقل مضافا إلى التّنافر في عرف أهل الرّجال في قولهم فلان ثقة كثير النسيان ما ليس في قولهم فلان ثقة فطحّى أو واقفّى ويقال كثيرا فلان نصرانىّ ثقة ولا يقال ثقة كثير النسيان ثانيها انّه امامىّ للشّهادات المزبورة مضافا إلى كشف اللّفظة عن العدالة كما يأتي فتكشف عن الأماميّة بالطّريق الأولى لوضوح عدم اجتماع العدالة المصطلحة مع فساد المذهب ثالثها انّه مأمون الكذب صدوق معتمد عليه لأنّه مقتضى ما سمعت من أهل اللّغة في تفسير اللّفظة مضافا إلى انّه المفهوم والمتبادر منها عرفا وإلى عدم صحّة سلبها عمّن اتّصف بذلك رابعها انّه عادل متجنّب عن المعاصي مقبول الشّهادة لتبادر ذلك من اللّفظة وصحّة السّلب فانّه يصّح ان يقال لمن لم يكن عادلا انّه ليس بثقة وان كان صدوقا ويكذب من قال رايت الثّقة إذا رأى فاسقا متحرزا عن الكذب ويستقبح قول فلان ثقة ويشرب النّبيذ كما يستقبح ان يستفهم بعد قوله فلان ثقة عن ارتكاب الفجور لا يقال المعنى المذكور مخالف المعنى اللّغوى وهو مطلق الأمانة فصيرورته حقيقة في هذا المعنى يستلزم النّقل والأصل عدمه لأنا نقول اصالة عدم النّقل لا تجرى في قبال الوجوه المزبورة المثبتة للنّقل لا يقال انّ غاية ما يستفاد من تلك الوجوه كون لفظ الثّقة حقيقة في المعنى المزبور في هذه الأزمنة ولا يستلزم ذلك ان يكون كك في الأزمنة السّابقة كزمان الشّيخ والنّجاشى والعلّامة بل مقتضى اصالة تاخّر الحادث الحكم بموافقة زمانهم لزمان اللّغة لأنا نقول أولا ان كلماتهم تكشف عن سبق النّقل كما لا يخفى على من لاحظها وكفاك قول الشّهيد الثّانى ره في البداية انّ لفظة الثّقة وانكانت مستعملة في أبواب الفقه اعمّ من العدالة لكنّها هنا لم تستعمل الّا بمعنى العدل بل الأغلب استعمالها خاصّة وثانيا انّ اصالة تاخّر الحادث محكومة باصالة تشابه الأزمان ولو تنزّلنا عن جميع ذلك وسلّمنا عدم استقرار اصطلاح علماء الرّجال على إرادة العدل من الثّقة فقد يقال بامكان دعوى لزوم الحكم بعدالة من صرحوا بانّه ثقة إذا لم يقم على فسقه دليل امّا لأنّ الغالب استعماله في العدل فالأطلاق ينصرف اليه أو لأنّه إذا لم يتعرّضوا الفسقه يظهر عدمه لأنّه يبعد عدم اطّلاعهم على فسقه أو سكوتهم عن بيان فسقه بعد الاطلاع عليه أو لأنّ الغالب كون الصّادق المتحرّز عن الكذب عادلا فيلحق الفرد المشكوك فيه بالغالب عملا بالأستقراء أو لأنّ المستفاد من طريقة متأخّرى الأصحاب الحكم بعدالة الرّاوى بمجرد قولهم فلان ثقة أو لأنّه انّما يصرحون بالتّوثيق ليعمل بخبره وهو لا يجوز الّا مع عدالته بقي هنا أمور ينبغي التّنبيه عليها الأوّل انّ قائل اللّفظة لو عقبها متّصلا بها أو منفصلا أو اتى غيره ممّن يقدّم قوله على قول القائل المذكور أو يعارض بقوله بما فيه نفى أحد المعاني المزبورة كما إذا قال القائل انّ فلانا ثقة غير عدل أو ثقة غير امامّى أو ثقة فطحىّ أو مخالف أو ثقة غير ضابط أو كثير السّهو أو قال القائل انّه ثقة فهل يستند إلى اللّفظة في غير المنفىّ من مداليلها أم لا أو يفصل بين ما ينفى العدالة وبين ما ينفى الضّبط أو الأماميّة بالقبول في الباقي على الثّانى دون الأوّل أو بين ما إذا كان نفى أحد المعاني من القائل نفسه أو من غيره بالعمل بما بقي بعد النّفى من مداليلها على الأوّل والقاء التعارض والتماس المرجّح على الثّانى وجوه للأوّل منها انّ اللّفظة تنحل إلى المعاني المذكورة فنفى أحد المعاني انّما يعارض اللّفظة في ذلك المعنى خاصّة فيجب قبولها في الباقي لعدم المعارض فانّه لا ملازمة بين نفى مفاد أحد مداليل لفظ نفى غيره حتّى يتصّور التعارض فهو كعام خصّ أو مطلق قيّد فكما انّهما حجّة في الباقي فكذا هنا وللثاني انّه إذا كانت اللّفظة دالّة على المعاني المزبورة كان نفى أحدها معارضا لها فتسقط اللّفظة عن الاعتبار بالنّسبة إلى الباقي أيضا على نحو ما قيل في العامّ المخصّص وأنت خبير بأنه غلط فاحش ضرورة انّ رفع اليد عن بعض ظواهر لفظ لقرينة لا يوجب رفع اليد عما لا قرينة على اخراجه وما أقيم دليلا على عدم حجّية العام المخصّص في الباقي واضح الفساد كما قرّر في محلّه وللثالث امّا على القبول في الباقي إذا كان المنّفى غير العدالة فحجّة الأوّل وامّا على عدم القبول فيما إذا كان المنفىّ العدالة فهو انّ قولهم عدل وقولهم ثقة مترادفان فنفى العدالة يعارض اثبات الثّقة وفيه منع ترادفهما وانّما الوثاقة تنحل إلى معاني أحدها العدالة فنفى أحدها لا يستلزم نفى الباقي فقوله هو ثقة غير عدل بمنزلة قوله هو امامّى ضابط مأمون الكذب وليس بصاحب ملكة فكما لا منافاة بين قوله امامّى ضابط مأمون الكذب وقوله ليس بصاحب ملكة فكذا لا منافاة بين قوله ثقة وليس بعدل فيؤخذ باللّفظة في