الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 67

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

لم يقدح ذلك في رواية الفرع على الأصّح الأشهر لعدم دلالة كلامه على تكذيب الفرع لأحتمال السّهو والنّسيان من الأصل والحال انّ الفرع ثقة جازم فلا يردّ بالاحتمال بل كما لا تبطل رواية الفرع ويجوز لغيرمان يروى عنه بعد ذلك فكذا يجوز للمروى عنه أولا الّذى لا يذكر الحديث روايته عمّن ادّعى انّه سمعه منه فيقول هذا الأصل الّذى قد صار فرعا إذا أراد التّحديث بهذا الحديث حدّثنى فلان عنى انّى حدثته عن فلان بكذا وكذا وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدّثوا بها وكان أحدهم يقول حدّثنى فلان عنّى عن فلان بكذا وصنّف في ذلك الخطيب البغدادي اخبار من حدّث ونسي وكك الدّارقطنى ومن ذلك حديث ربيعة بن أبي عبد الرّحمن عن سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة انّ النّبى ( ص ) قضى باليمين مع الشّاهد قال عبد العزيز الدّراوردى فذكرت ذلك لسهيل فقال اخبرني ربيعة وهو عندي ثقة انى حدّثته ايّاه ولا احفظه قال عبد العزيز وقد كان سهيل اصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه وكان سهيل بعد يحدّثه عن ربيعة عنه عن أبيه وكيف كان فجمهور أهل الحديث والفقه والكلام على انّ من روى حديثا ثم نسيه جاز العمل به لوجود المقتضى وعدم المانع إذ ليس الّا صيرورة الأصل فرعا وذلك غير صالح للمانعيّة وخالف في ذلك بعض الحنفيّة فأسقطوه عن الاعتبار وهو منهم خطأ والاستدلال لذلك بانّ الأصل كما انّه معرض للسّهو والنسيان فكذا الفرع مردود بانّ الأصل غير ناف وقوعه غايته انّه غير ذاكر والفرع جازم فيقدّم عليه الجهة السّادسة في بيان الألفاظ المستعملة في التعديل والجرح بين أهل هذا الشّأن قد استعمل المحدّثون وعلماء الرّجال ألفاظ في التّزكية والمدح وامارات دالّة على المدح وألفاظ في الجرح والذّم وامارات دالّة على الذّم ولابدّ من البحث عن كل منها ليتبيّن الصّريح منها من الظّ وتذييلها بساير الألفاظ المستعملة في كلمات أهل الرّجال الغير الدالّة على التّحقيق على مدح ولا قدح فنضع الكلام في مقامات [ فيه مقامات ] المقام الاوّل في ألفاظ المدح وهي على اقسام فان منها ما يستفاد منه مدح الرّاوى وحسن حاله مطابقة وحسن روايته بالألتزام كثقة وعدل ونحوهما و منها ما هو بالعكس كصحيح الحديث وثقة في الحديث وصدوق وشيخ الإجازة واجمع على تصديقه أو على تصحيح ما يصحّ عنه ونحو ذلك وكلّ من القسمين اما يبلغ المدح المستفاد منه إلى حدّ التوثيق أم لا ثم كل منهما امّا ان يكون دالا على الاعتقاد الحق أو خلافه أم لا فهذه اثنا عشر قسما ويزيد بضمّ بعض الأمور اليه بان يكون مع ما ذكر له دخل في قوة المتن كفقيه ورئيس العلماء وفهيم وحافظ وله ذهن وقاد وطبع نقاد وهكذا أو لا يكون كك وكذا بتعميم المدح إلى ما ليس له دخل لا في السّند ولا في المتن كقارى ومنشى وشاعر ونحوها ثم اعلم انّ الّذى فهمته انّ الأواخر إذا قالوا الوثاقة بالمعنى الأعم أرادوا بذلك كون الرّجل في نفسه محلّ وثوق وطمأنينة من دون نظر إلى مذهبه وإذا قالوا الوثاقة بالمعنى الأخصّ أرادوا به كونه عدلا اماميا ضابطا وإذا قالوا العدالة بالمعنى الأخصّ أرادوا به العدالة في مذهبنا وإذا قالوا العدالة بالمعنى الأعم أرادوا بذلك كونه ذا ملكة وان لم يكن اماميا بان كان عدلا في مذهبه وإذ قد عرفت ذلك فاعلم انّ من ألفاظ المدح قولهم فلان عدل امامّى ضابط أو عدل من أصحابنا الأماميّة ضابط وهذا أحسن العبائر واصرحها في جعل الرّجل من الصّحاح وقد نفى بعض من عاصرنا من الأجلّة الخلاف في افادته التزكية المترتّب عليها التّصحيح بالأصطلاح المتأخّر حتى إذا كان المزكّى من أحد فرق الشّيعة الغير الأثنى عشريّة فانّ كونه منهم لا يكشف عن ارادته بالأمامى الأمامىّ بالمعنى الأعم الشّامل لتلك الفرق ضرورة ظهور الأمامى في الأثنى عشرى وكونه اصطلاحا فيه فوثاقة المزكى تمنع من ارادته باللّفظ خلاف ظاهره كما انّها تمنع من ارادته بالعدالته الّا ما وقع الأتّفاق عليه كما مرّ توضيحه في ذيل المسئلة الثّالثة ثم لو اقتصر على أحد الألفاظ الثّلثة أو اثنين منها فإن كان أحد الأخيرين أو هما فلا ريب في عدم افادته المدح البالغ حدّ التوثيق بل ولا مطلق المدح وان كان غيرهما فامّا ان يكون الأوّل خاصّة أو هو مع الثّانى أو هو مع الثّالث امّا على الأوّل اعني الاقتصار على كلمة عدل ففي الاقتصار على المذكور أو استفادة مقاد الأخيرين منه وجهان للاوّل منهما انّ احراز كل من الثّلثة شرط في قبول خبره والأصل عدم تحقق الشّرط الّا بمقدار ما وقع التّصريح به والاقتصار على المتيقّن ودفع المشكوك بالأصل لازم ولكن الأظهر هو الوجه الثّانى وفاقا لجمع من أهل التّحقيق لنا امّا على الشّق الأوّل اعني اغناء قولهم عدل عن التّصريح بكونه اماميا فهو انّ العدالة المطلقة فرع الإسلام والأيمان فان الكافر والمخالف والفرق الباطلة من الشّيعة ليسوا بعدول قطعا فحمل العدل في كلام الشّاهد على ظاهره وهو الأمامى العدل لازم إذ لا يعدل عن الظّاهر الّا لدليل هو هنا مفقود بالفرض وقد يؤيّد هذا الظّاهر تارة بالأصالة المستفادة من ولادة كل شخص على الفطرة الظّاهرة في التامّة في الحقّ ولو لانصرافها إليها فتامّل وأخرى بشهادة كلمات أهل الرّجال بذلك فان المذكور في أوائل كثير من الكتب الرّجاليّة ككتاب النّجاشى والفهرست ورجال ابن شهرآشوب انها موضوعة لذكر رجال الشّيعة وقد حكى عن الحاوي انّه قال اعلم انّ اطلاق الأصحاب لذكر الرّجل يقتضى كونه اماميا فلا يحتاج إلى التقييد بكونه من أصحابنا ولو صرّح كان تصريحا بما علم من العادة وعن رواشح السّيد الدّاماد انّ عدم ذكر النّجاشى كون الرّجل اماميا في ترجمته يدلّ على عدم كونه عاميّا عنده وفي منتهى المقال في ترجمة عبد السّلام الهروي انّ الشّيخ محمد ره قال في جملة كلام له ذكرنا في بعض ما كتبنا على التّهذيب انّ عدم نقل النّجاشى كونه عاميا يدل على نفيه وامّا على الشقّ الثّانى وهو كفاية قولهم عدل في التّزكية المترتّب عليها التّصحيح وعدم اعتبار التصريح بالضّبط فهو انه يستفاد الضّبط بمؤنة غلبة الضّبط في الرّواة المؤيّدة تلك الغلبة بالأصل كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك في ذيل الكلام على اعتبار الضّبط فراجع وربّما عللّ بعضهم اغناء قولهم عدل عن التصريح بالأماميّة والضّبط بظهور قولهم في ذلك عند الإطلاق امّا لأنصرافه إلى الفرد الكامل أو لأنّ القاتل إذا شهد به فظاهره بيان انّه ممّن يترتّب على قوله ما يترتّب على قول البيّنة إذا انضمّ إلى مثله وعلى الشّاهد الواحد مع عدمه بل ظاهره بيان انّه ممّن يثبت له جميع اثار العدالة خصوصا في علم الرّجال الموضوع لتشخيص من يؤخذ بقوله ولو مع فقد قرائن آخر للاعتماد والاعتبار ولعلّه لذلك يكتفى بالشّهادة بالعدالة في تزكية الشّاهد في مقام المرافعات والتّقليد مع اعتبار الأماميّة والضّبط في الشّاهد والمجتهد المقلّد ايض وقد يؤيّد المطلوب بانّهم يصفون الخبر بالحسن إذا مدح رواته بما لا يبلغ الوثاقة مع اعتبار الضّبط والأماميّة في العمل به بل في مفهومه أيضا وكذا في الموثّق بالنّسبة إلى الضّبط واقومى تأييد الأستفادة الضّبط بعد البناء على اعتباره انّهم قلّ ما يذكرونه في حق الرّجال فلو لا دلالة المدح والتّوثيق ونحوهما على الضّبط لكان مدحهم وتوثيقهم من غير تصريح بالضّبط خاليا من فائدة فتصريحهم في بعض الرّجال بالضّبط تأكيد منهم وممّا ذكرنا ظهر الحال فيما لو اقتصر على اللّفظ الأوّل مع الثّانى أو هو مع الثّالث ومنها قولهم ثقة وأصلها من الوثوق يقال وثق به ثقة ائتمنه والوثيق الحكم كذا قال في القاموس وغيره فهي صفة مشبّهة تدلّ على الدّوام والثّبوت وتقتضى الأطمينان من الكذب والتحرّز عن السّهو والنسيان إذ مع اعتياد الرّجل الكذب وكثرة السّهو والنّسيان لا يمكن الوثوق به ويمكن ان يسرى إلى باقي أنواع المعاصي فانّ العادة تقضى بعدم الوثوق بشارب الخمر ومرتكب الفجر وغير ذلك من المعاصي