الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
خاتمة 33
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
حفص بن غياث القاضي وأمثالها ونحو ذلك مما يفيد الأقتران به صحّة الحديث حتّى انّ الشّيخ في العدّة جعل من جملة القرائن المفيدة لصّحة الأخبار أشياء منها موافقتها لأدلّة العقل ومقتضاها ومنها مطابقة الخبر لنصّ الكتاب امّا خصوصه أو عمومه أو دليله أو فحواه ومنها كون الخبر موافقا للسنّة المقطوع بها من جهة التّواتر ومنها موافقة الخبر لما اجتمعت الفرقة المحقّة عليه إلى أن قال فهذه القرائن كلّها تدلّ على صحّة متضمّن اخبار الأحاد ولا تدلّ على صحّتها في نفسها لجواز أن تكون مصنوعة انتهى والجملة فعلى هذا الاصطلاح جرى ائمّة المحدّثين الثلاثة وغيرهم ولذا انّ ابن بابويه ره فيمن لا يحضره الفقيه قد حكم بصحّة ما أورده فيه مع عدم كون المجموع صحيحا باصطلاح المتاخّرين وقيل انّ الذي الجاء المتأخرين إلى العدول عن طريقة القدماء ووضع هذا الاصطلاح تطاول الأزمنة بينهم وبين الصّدر الأوّل واندراس بعض الأصول المعتمدة لتسلّط الجائرين والظّلمة من أهل الضّلال والخوف من اظهارها وانتساخها والتباس المأخوذ من الأصول المعتمدة بغيرها واشتباه المتكررة منها بغير المتكرّر وخفاء كثير من القرائن فانّ ذلك كلّه الجاهم إلى قانون يتميزّ به الأحاديث المعتبرة عن غيرها فقرّروا هذا الاصطلاح على انّ التّوثيق والتّعديل كان أحد القرائن الموجبة للأعتماد عند القدماء ايض وكيف كان فالنّوع الأوّل الصّحيح وقد عرّفه جمع منهم الشّهيد الثّانى ره في البداية بانّه ما اتّصل سنده إلى المعصوم ( ع ) بنقل العدل الأمامى عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعدّدة قال فخرج بالأتّصال السّند المقطوع في اىّ مرتبة اتّفقت فانّه لا يسمّى صحيحا وإن كان رواته من رجال الصّحيح وشمل قوله إلى المعصوم ( ع ) النّبى صلّى اللّه عليه وآله والأمام ( ع ) وخرج بقوله بنقل العدل الحسن وبقوله الأمامى الموثق وبقوله في جميع الطّبقات ما اتّفق فيه واحد بغير الوصف المذكور فانّه بسببه يحلق بما يناسبه من الأوصاف لا بالصّحيح وعرّفه في مقدّمات الذكرى بانّه ما اتّصلت روايته إلى المعصوم بعدل امامّى واعترضه في البداية بانّ ما كان أحد رجاله غير امامىّ داخل في التّعريف لانّ اتّصاله بالعدل المذكور لا يلزم ان يكون في جميع الطّبقات بحسب اطلاق اللفظ مع أنه خارج وكون الاتصال في جميع الطبقات مراد الا يدفع الإيراد بعد اطلاق الأتصّال وفيه انّ المتبادر من اتّصال الرّواة الاتصال في جميع الطّبقات والألفاظ يجب حملها على معانيها المتبادرة منها فلا اطلاق للأتّصال حتّى يتمّ الاعتراض وربما زاد بعضهم في التّعريف قيودا اخر فمنها ان يكون العدل ضابطا نظرا إلى أن من كثر الخطأ في حديثه استحقّ التّرك وأنت خبير بانّ قيد العدل يغنى عن ذلك لانّ المغفل المستحقّ للتّرك لا يعدّ له أهل الرّجال وأيضا فالعدالة تستدعى صدق الرّاوى وعدم غفلته وعدم تساهله عند التّحمل والأداء نعم لو زيد قيد الضّابط توضيحا لكان امتن وللعلّامة الطّباطبائى ره في ترجمة الحسن بن حمزة في توضيح هذا الباب كلام يعجبني نقله برمته قال ره امّا الضّبط فالأمر فيه هيّن عند من يجعله من لوازم العدالة كالشّهيد الثّانى ومن وافقه فانّهم عرفوا الصّحيح بما اتّصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل عن مثله في جميع الطبقات وأسقطوا قيد الضّط من الحدّ وعللّوه بالأستغناء عنه بالعدالة المانعة من نقل غير المضبوط واما من جعله شرطا زائدا وهم الأكثر فقد صرّحوا بان الحاجة اليه بعد اعتبار العدالة للأمن من غلبة السّهو والغفلة الموجبة لكثرة وقوع الخلل في النقل على سبيل الخطأ دون العمد والمراد نفى الغلبة الزّائدة على القدر الطّبيعى الّذى لا يسلم منه غير المعصوم وهو امر عدمي طبيعي ثابت بمقتضى الأصل والظّاهر معا والحاجة اليه بعد اعتبار العدالة ليست الّا في فرض نادر بعيد الوقوع وهو ان يبلغ كثرة السّهو والغفلة حدّا يغفل معه السّاهى عن كثرة سهوه وغفلته أو يعلم ذلك من نفسه ولا يمكنه التحفّظ مع المبالغة في التيقّظ والّا فتذكّره لكثرة سهوه مع فرض العدالة يدعوه إلى التّثبت في مواقع الاشتباه حتّى يامن من الغلط وربّما كان الاعتماد على مثل هذا الأكثر من الضّابط فانّه لا يتّكل على حفظه فيتوقّف بخلاف الضّابط المعتمد على حفظه وهذا كالذّكى الحديد الخاطر فانّه يتسرع إلى الحكم فيخطى كثيرا أو امّا البطئ فلعدم وثوقه بنفسه ينعم النّظر غالبا فيصيب وليس الدّاعى إلى التّثبت منحصرا في العدالة فانّ الضّبط في نفسه امر مطلوب مقصود وللعقلاء معدود من الفضائل والمفاخر وكثير من النّاس يتحفظّون في اخبارهم ويتوقّفون في روايتهم محافظة على الحشمة وتحرّزا من التّهمة وحذرا من الأنتقاد وخوفا من ظهور الكساد ومتى وجد الدّاعى إلى الضّبط من عدالة أو غيرها فالظّاهر حصوله الّا ان يمتنع وليس الّا في الفرد البعيد النّادر الخارج عن الطّبيعة وأصل الخلقة ومثل ذلك لا يلتفت اليه ولا يحتاج ففيه إلى التّصريح والتنّصيص ولعلّ هذا هو السّر في اكتفاء البعض بقيد العدالة واسقاط الضّبط وكذا في عدّ علماء الدّراية لفظ العدل والعادل من ألفاظ التّوثيق ومنها ان لا يعتريه شذوذ اعتبره جمهور العامّة وانكر ذلك أصحابنا نظرا إلى انّ الصّحة بالنّظر إلى حال الرّواة والشّذود امر آخر مسقط للخبر عن الحجّية ولذا قال بعض من عاصرناه انّ عدم الشّذوذ شرط في اعتبار الخبر لا في تسميته صحيحا وكيف كان فالأصحاب لم يعتبروا في اصطلاحهم عدم الشّذوذ ومنها عدم كونه معلّلا اشترطه جمع من العامّة مريدين بالمعلّل ما اشتمل على علّة خفيّة في متنه أو سنده لا يطّلع عليها الّا الماهر كالارسال فيما ظاهره الأتّصال أو مخالفته لصريح العقل أو الحسّ ونوقش فيه بان هذا القيد مستغنى عنه إذ ما ظهر كونه منقطعا أو ما شكّ فيه فلا يصحّ الحكم بانّه متّصل السّند إلى المعصوم عليه السّلام بالأمامى العدل الثّقة فانّ ظاهر هذا التّعريف هو ما حصل اليقين بكونه متصّل السّند بالعدول أو ما ترجّح في النّظر كونه كذلك فالمعلّل اعني ما حصل الشّك في اتّصاله بالعدول خارج عن التّعريف فوصف بعضهم مثل ذلك بالصّحة مع ظهور كونه معلّلا عند اخر مبنّى على غفلة الواصف وخطائه في اجتهاده وترجيحه انّه غير معلّل وامّا عيب المتن بكونه مخالفا لصريح العقل أو الحسّ فلا مدخليّة له بهذا الاصطلاح ولقد أجاد ثاني الشّهيدين وهما حيث قال انّ الخلاف بين العامّة والخاصّة في اخذ قيد عدم الشّذوذ وعدم كونه معلّلا خلاف في مجرّد الاصطلاح والّا فقد يقبلون الخبر الشّاذو المعلّل ونحن قد لا نقبلهما وان دخلا في الصّحيح بحيث العوارض ثمّ انّ جمعا قد قسّموا الصّحيح إلى ثلاثة اقسام أعلى وأوسط وأدنى فالأعلى ما كان اتّصاف الجميع بالصّحة بالعلم أو بشهادة عدلين أو في البعض بالأوّل وفي البعض الآخر بالثّانى والأوسط ما كان اتصاف الجميع بما ذكر بقول عدل يفيد الظّن المعتمد أو كان اتّصاف البعض به بأحد الطّرق المزبورة في الأعلى والبعض الآخر بقول العدل المفيد للظنّ المعتمد والأدنى ما كان اتّصاف الجميع بالصّحة بالظّن الإجتهادى وكذا إذا كان صحّة بعضه بذلك والبعض الآخر بالظنّ المعتمد أو العلم أو شهادة عدلين وهل يجرى هنا نظير ما يجئ في البواقي من زيادة الأقسام بتشبيه الأدنى من نوع بنوع أعلى منه فيشبه الأدنى هنا بأعلى منه مع اتّحاد النّوع بل في البواقي أيضا فيقال الصّحيح الأوسط كالصّحيح الأعلى والصّحيح الأدنى كالصّحيح الأوسط أو الأعلى والموثّق الأوسط كالموثق الأعلى وهكذا بل بتشبيه الأعلى من نوع بالأدنى منه بل الأعلى من نوع بنوع أدنى إشارة إلى كونه من أدنى مراتبه فيقال الصّحيح الأعلى كالصّحيح الأوسط أو الأدنى أو الصّحيح كالموثّق أو كالحسن وهكذا أم لا قال بعض الساطين الفن انّى لم أقف على من نصّ عليه ولا على من استعمله ولا ريب في امكانه فلا باس به لو فعل وعليه فتكثر الأقسام إلى ما ترى ولا يخفى اختلاف القوّة والضّعف باختلاف المراتب المزبورة وغيرها